فهرس الكتاب

الصفحة 891 من 7699

تخلّف عن العسكر لحاجته، فلم يبت مع الناس، فلمّا رأى سوادي أقبل حتى وقف عليّ فعرفني، وكان رآني قبل أن يضرب الحجاب، فلمّا رآني استرجع وقال: ما خلّفك؟ قالت: فما كلّمته، ثمّ قرّب البعير وقال: اركبي. فركبت، وأخذ برأس البعير مسرعا.

فلمّا نزل الناس واطمأنّوا طلع الرجل يقودني، فقال أهل الإفك [فيّ] ما قالوا، فارتعج [1] العسكر ولم أعلم بشيء من ذلك، ثمّ قدمنا المدينة فاشتكيت شكوى شديدة، وقد انتهى الحديث إلى رسول اللَّه، صلّى اللَّه عليه وسلّم، وإلى أبويّ ولا يذكران لي منه شيئا، إلّا أنّي أنكرت من رسول اللَّه، صلّى اللَّه عليه وسلّم، بعض لطفه، فكان إذا دخل عليّ وأمّي تمرّضني قال: كيف تيكم؟ لا يزيد على ذلك، فوجدت في نفسي ممّا رأيت من جفائه، فاستأذنته في الانتقال إلى أمّي لتمرّضني، فأذن لي، وانتقلت ولا أعلم بشيء ممّا كان حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة.

قالت: وكنّا قوما عربا لا نتّخذ في بيوتنا هذه الكنف نعافها ونكرهها، إنّما كان النساء يخرجن كلّ ليلة، فخرجت ليلة لبعض حاجتي ومعي أمّ مسطح ابنة أبي رهم بن المطّلب، وكانت أمّها خالة أبي بكر الصدّيق، قالت: فو اللَّه إنّها لتمشي إذ عثرت في مرطها فقالت: تعس مسطح. قالت: قلت: لعمر اللَّه بئس ما قلت لرجل من المهاجرين قد شهد بدرا! قالت: أو ما بلغك الخبر؟ قلت: وما الخبر؟ فأخبرتني بالذي كان. قالت: فو اللَّه ما قدرت على أن أقضي حاجتي فرجعت فما زلت أبكي حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدي، وقلت لأمّي: تحدّث الناس بما تحدّثوا ولا تذكرين لي من ذلك شيئا؟ قالت: أي بنيّة خفّضي عليك، فو اللَّه قلّ ما كانت امرأة حسناء

[1] فارتجع. (وارتعج: تحرّك واضطرب. وما أثبتناه عن ابن هشام) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت