الثبات على سروجهم، وهذه البلاد له، ونحن مماليكه ونوّابه فيها، فإن أراد عزلك سمعنا وأطعنا، والرأي أن تكتب كتابا مع نجّاب تقول فيه:
بلغني أنّك تريد الحركة لأجل البلاد، فأيّ حاجة إلى هذا؟ يرسل المولى نجّابا يضع في رقبتي منديلا ويأخذني إليك، وما هاهنا من يمتنع عليك.
وأقام الأمراء وغيرهم وتفرّقوا على هذا، فلمّا خلا به أيّوب قال له:
بأيّ عقل فعلت هذا؟ أما تعلم أنّ نور الدين إذا سمع عزمنا على منعه ومحاربته جعلنا أهمّ الوجوه إليه، وحينئذ لا تقوى به، وأمّا الآن، إذا بلغه ما جرى وطاعتنا له تركنا واشتغل بغيرنا، والأقدار تعمل عملها. وو اللَّه لو أراد نور الدين قصبة من قصب السكّر لقاتلته أنا عليها حتّى أمنعه أو أقتل [1] .
ففعل صلاح الدين ما أشار به، فترك نور الدين قصده واشتغل بغيره، فكان الأمر كما ظنّه أيّوب، فتوفّي نور الدين ولم يقصده، وملك صلاح الدين البلاد، وكان هذا من أحسن الآراء وأجودها.
وفي هذه السنة خرج مركبان من مصر إلى الشام فأرسيا بمدينة لاذقيّة، فأخذهما الفرنج، وهما مملوءان من الأمتعة والتجّار، وكان بينهم وبين نور الدين هدنة، فنكثوا وغدروا، فأرسل نور الدين إليهم في المعنى وإعادة ما أخذوه من أموال التجّار، فغالطوه، واحتجّوا بأمور منها أنّ المركبين كانا قد انكسرا ودخلهما الماء.
وكان الشرط أنّ كلّ مركب ينكسر ويدخله الماء يأخذونه، فلم يقبل
[1] وأقتل.