ثمّ كان زياد إذا نزل البصرة نزل الفرزدق الكوفة، وإذا نزل الكوفة نزل الفرزدق البصرة، فبلغ ذلك زيادا فكتب إلى عامله على الكوفة، وهو عبد الرحمن بن عبيد، يأمره بطلب الفرزدق، ففارق الكوفة نحو الحجاز، فاستجار بسعيد بن العاص فأجاره فمدحه الفرزدق، ولم يزل بالمدينة مرّة وبمكّة مرّة حتى هلك زياد.
وقد قيل: إنّ الفرزدق إنّما قال هذا الشعر لأن الحتات لما أسلم آخى النبيّ، صلّى اللَّه عليه وسلّم، بينه وبين معاوية، فلمّا مات الحتات بالشام ورثه معاوية بتلك الأخوّة فقال الفرزدق هذا الشعر. وهذا القول ليس بشيء لأنّ معاوية لم يكن يجهل أنّ هذه الأخوّة لا يرث بها أحد.
(الحتات بضمّ الحاء وبتاءين مثنّاتين من فوقهما بينهما ألف) .
في هذه السنة توفّي الحكم بن عمرو الغفاريّ بمرو بعد انصرافه من غزوة جبل الأشلّ في قول، وقد تقدّم ذكر وفاته في قول آخر، وكان زياد قد كتب إليه: إنّ أمير المؤمنين معاوية أمرني أن أصطفي له الصفراء والبيضاء فلا تقسم بين الناس ذهبا ولا فضّة. فكتب إليه الحكم: بلغني ما أمر به أمير المؤمنين، وإنّي وجدت كتاب اللَّه قبل كتابه، وإنّه واللَّه [لو] أنّ السموات والأرض كانتا رتقا على عبد ثمّ اتّقى اللَّه لجعل «1» له فرجا «2» ومخرجا، ثمّ قال للناس:
اغدوا على أعطياتكم ومالكم، فقسمه بينهم، ثمّ قال: اللَّهمّ إن كان لي عندك خيرك فاقبضني إليك. فتوفّي بمرو. وله صحبة.
(1) . خصل. P .C