يذعرهم أحد، ولا وقف في وجوههم فارس.
وهذه مصائب وحوادث لم ير الناس من قديم الزمان وحديثه ما يقاربها، فاللَّه سبحانه وتعالى يلطف بالمسلمين، ويرحمهم، ويردّ هذا العدوّ عنهم، وخرجت هذه السنة ولم نتحقّق لجلال الدين خبرا، ولا نعلم هل قتل، أو اختفى، لم يظهر نفسه خوفا من التتر، أو فارق البلاد إلى غيرها، واللَّه أعلم.
في أواخر هذه السنة أطاع أهل بلاد أذربيجان جميعها للتتر، وحملوا إليهم الأموال والثياب الخطائيّ، والخويّيّ، والعتابيّ، وغير ذلك، وسبب طاعتهم أنّ جلال الدين لمّا انهزم على آمد من التتر، وتفرّقت عساكره، وتمزّقوا كلّ ممزّق، وتخطّفهم الناس، وفعل التتر بديار بكر والجزيرة وإربل وخلاط ما فعلوا، ولم يمنعهم أحد، ولا وقف في وجوههم واقف، وملوك الإسلام منجحرون في الأثقاب، وانضاف إلى هذا انقطاع أخبار جلال الدين، فإنّه لم يظهر له خبر، ولا علموا له حالة، سقط في أيديهم، وأذعنوا للتتر بالطاعة، وحملوا إليهم ما طلبوا منهم من الأموال والثياب.
من ذلك مدينة تبريز التي هي أصل بلاد أذربيجان، ومرجع الجميع إليها وإلى من بها، فإنّ ملك التتر نزل في عساكره بالقرب منها، وأرسل إلى أهلها يدعوهم إلى طاعته، ويتهدّدهم إن امتنعوا عليه، فأرسلوا إليه المال الكثير، والتّحف من أنواع الثياب الإبريسم وغيرها، وكلّ شيء حتّى الخمر، وبذلوا له الطاعة، فأعاد الجواب يشكرهم، ويطلب منهم أن يحضر مقدّموهم عنده، فقصده قاضي البلد ورئيسه، وجماعة من أعيان أهله، وتخلّف عنهم