لما هلك النّاس في الطاعون كتب أمراء الأجناد إلى عمر بما في أيديهم من المواريث، فجمع النّاس واستشارهم وقال لهم: قد بدا لي أن أطوف على المسلمين في بلدانهم لأنظر في آثارهم، فأشيروا عليّ، وفي القوم كعب الأحبار، وفي تلك السنة أسلم، فقال كعب: يا أمير المؤمنين، بأيّها تريد أن تبدأ؟ قال: بالعراق. قال: فلا تفعل فإنّ الشرّ عشرة أجزاء، تسعة منها بالمشرق وجزء بالمغرب، والخير عشرة أجزاء، تسعة بالمغرب وجزء بالمشرق، وبها قرن الشيطان وكلّ داء عضال.
فقال عليّ: يا أمير المؤمنين، إنّ الكوفة للهجرة بعد الهجرة، وإنّها لقبّة الإسلام، ليأتينّها يوم لا يبقى مسلم إلّا وحنّ إليها، لينتصرنّ بأهلها [1] كما انتصر بالحجارة من قوم لوط. فقال عمر: إنّ مواريث أهل عمواس قد ضاعت، أبدأ بالشام فأقسم المواريث وأقيم لهم ما في نفسي ثمّ أرجع فأتقلب [2] في البلاد وأبدي [3] إليهم أمري.
فسار عن المدينة واستخلف عليها عليّ بن أبي طالب واتخذ أيلة طريقا، فلمّا دنا منها ركب بعيره وعلى رحله [4] فرو مقلوب وأعطى غلامه مركبه، فلمّا تلقّاه النّاس قالوا: أين أمير المؤمنين؟ قال: أمامكم، يعني نفسه، فساروا أمامهم، وانتهى هو إلى أيلة فنزلها، وقيل للمتلقين [5] : قد دخل أمير المؤمنين إليها ونزلها، فرجعوا [إليه] . وأعطى عمر الأسقفّ بها قميصه، وقد تخرّق
[1] لينصرنّ أهلها.
[2] فانقلب.
[3] وأبتدئ.
[4] رجله.
[5] للملتقين.