في هذه السنة أمر المتوكّل ببناء الماخورة، وسمّاها الجعفريّة، وأقطع القوّاد وأصحابه فيها، وجدّ في بنائها، وأنفق عليها فيما قيل أكثر من ألفي ألف دينار، وجمع فيها القرّاء، فقرءوا، وحضرها أصحاب الملاهي، فوهب أكثر من ألفي ألف درهم، وكان [1] يسمّيها هو وأصحابه المتوكّليّة، وبنى فيها قصرا سمّاه لؤلؤة لم ير مثله في علوّه، وحفر لها نهرا يسقي ما حولها، فقتل المتوكّل، فبطل حفر النهر، وأخربت الجعفريّة.
وفيها زلزلت بلاد المغرب، فخربت الحصون، والمنازل، والقناطر، ففرّق المتوكّل ثلاثة آلاف ألف درهم فيمن أصيب بمنزله، وزلزل عسكر المهديّ، والمدائن، وزلزلت أنطاكية فقتل بها خلق كثير، فسقط منها ألف وخمس مائة دار، وسقط من سورها نيِّف وتسعون برجا، وسمعوا أصواتا هائلة لا يحسنون وصفها، وتقطّع جبلها الأقرع وسقط في البحر.
وهاج البحر ذلك اليوم، وارتفع منه دخان أسود مظلم منتن، وغار منها نهر على فرسخ لا يدرى أين ذهب، وسمع أهل سيس، فيما قيل، صيحة دائمة هائلة، فمات منها خلق كثير، فتزلزلت ديار الجزيرة، والثغور، وطرسوس وأدنة، وزلزلت الشام، فلم يسلم من أهل اللاذقية إلّا اليسير، وهلك أهل جبلة.
[1] وفان.