منها بما يقدرون عليه من أموالهم ورحالهم وغيرها، فاستقرّت القاعدة على ذلك، وفتحت أبواب البلد، وملكه الفرنج، وفارقه أهله، وتفرّقوا في البلاد، وحملوا ما أطاقوا، وتركوا ما عجزوا عنه، ولم يعرض الفرنج لأحد منهم، ولم يبق إلّا الضعيف عجز عن الحركة.
وملك الفرنج البلد في الثالث والعشرين من جمادى الأولى من السنة، وكان فتحه وهنا عظيما على المسلمين، فإنّه من أحصن البلاد وأمنعها، فاللَّه يعيده إلى الإسلام، ويقرّ أعين المسلمين بفتحه، بمحمّد وآله.
في هذه السنة عزل البرسقيّ عن شحنكيّة العراق، ووليها سعد الدولة يرنقش الزكويّ.
وسبب ذلك، أنّ البرسقيّ نفر عنه المسترشد باللَّه، فأرسل إلى السلطان محمود يلتمس منه أن يعزل البرسقيّ عن العراق ويعيده إلى الموصل، فأجابه السلطان إلى ذلك، وأرسل إلى البرسقيّ يأمره بالعود إلى الموصل، والاشتغال بجهاد الفرنج، فلمّا علم البرسقيّ الخبر شرع في جباية الأموال، ووصل نائب يرنقش، فسلّم إليه البرسقيّ الأمر، وأرسل السلطان ولدا له صغيرا مع أمّه إلى البرسقيّ ليكون عنده، فلمّا وصل الصغير إلى العراق خرجت العساكر والمواكب إلى لقائه، وحملت له الإقامات، وكان يوم دخوله يوما مشهودا، وتسلّمه البرسقيّ، وسار إلى الموصل، وهو ووالدته معه.
ولمّا سار البرسقيّ إلى الموصل كان عماد الدين زنكي بن آقسنقر بالبصرة قد سيّره البرسقيّ إليها ليحميها، فظهر من حمايته لها ما عجب منه الناس، ولم يزل