فهرس الكتاب

الصفحة 4734 من 7699

في هذه السنة، في ذي القعدة، مات القاضي منذر بن سعيد البلّوطيّ، أبو الحاكم قاضي قضاة الأندلس، وكان إماما فقيها، خطيبا، شاعرا، فصيحا، ذا دين متين، دخل يوما على عبد الرحمن الناصر، صاحب الأندلس، بعد أن فرغ من بناء الزهراء وقصورها، وقد قعد في قبّة مزخرفة بالذهب، والبناء البديع الّذي لم يسبق إليه، ومعه جماعة من الأعيان، فقال عبد الرحمن الناصر:

هل بلغكم أنّ أحدا بنى مثل هذا البناء؟ فقال له الجماعة: لم نر، ولم نسمع بمثله، وأثنوا، وبالغوا، والقاضي مطرق، فاستنطقه عبد الرحمن، فبكى القاضي، وانحدرت دموعه على لحيته، وقال: واللَّه ما كنت أظنّ أنّ الشيطان، أخزاه اللَّه تعالى، يبلغ منك هذا المبلغ، ولا أن تمكّنه من قيادك هذا التمكين، مع ما آتاك اللَّه، وفضّلك به، حتّى أنزلك منازل الكافرين.

فقال له عبد الرحمن: انظر ما تقول، وكيف أنزلني منزل الكافرين؟

فقال: قال اللَّه تعالى: وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ، وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ، وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوابًا وَسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ، وَزُخْرُفًا، إلى قوله: وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ «1» .

فوجم عبد الرحمن وبكى، وقال: جزاك اللَّه خيرا، وأكثر في المسلمين مثلك.

وأخبار هذا القاضي كثيرة حسنة جدّا، منها: أنّه قحط الناس وأرادوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت