وراء تلّ حصن نينوى، فأقام ثلاثة أيّام.
فلمّا رأى اجتماع العسكر البدريّ بالموصل، وأنّهم لم يفقد منهم إلّا اليسير، وبلغه الخبر أنّ بدر الدين يريد العبور إليه ليلا بالفارس والراجل، على الجسور وفي السفن، ويكبسه، رحل [1] ليلا من غير أن يضرب كوسا أو بوقا، وعادوا نحو إربل، فلمّا عبروا الزاب نزلوا، ثمّ جاءت الرسل وسعوا في الصلح، فاصطلحوا على أنّ كلّ من بيده شيء هو له، وتقرّرت العهود والأيمان على ذلك.
كواشى هذه من أحصن قلاع الموصل وأعلاها وأمنعها، وكان الجند الذين بها، لمّا رأوا ما فعل أهل العماديّة وغيرها من التسليم إلى زنكي، وأنّهم قد تحكّموا في القلاع، لا يقدر أحد على الحكم عليهم، أحبّوا أن يكونوا كذلك، فأخرجوا نوّاب بدر الدين عنهم، وامتنعوا بها، وكانت رهائنهم بالموصل، وهم يظهرون طاعة بدر الدين، ويبطنون المخالفة، فتردّدت الرسل في عودهم إلى الطاعة، فلم يفعلوا، وراسلوا زنكي في المجيء إليهم، فسار إليهم وتسلّم القلعة، وأقام عندهم، فروسل مظفّر الدين يذكّر بالأيمان القريبة العهد، ويطلب منه إعادة كواشى، فلم تقع الإجابة إلى ذلك، فأرسل حينئذ بدر الدين إلى الملك الأشرف، وهو بحلب، يستنجده، فسار وعبر الفرات [2] إلى حرّان، واختلفت عليه الأمور من عدّة جهات منعته من سرعة السير.
[1] فرحل.
[2] الفراة.