حين هرب أبوه، وقتل أخوه عبد الرحمن، على ما تقدّم، وحبس أبو الأسود، وتعامى في الحبس، فصار يحاكي العميان، ولا يطرف عينه لشيء، وبقي دهرا طويلا، حتى صحّ عند الأمير عبد الرحمن الأمويّ ذلك.
وكان في أقصى السجن سرداب يفضي إلى النهر الأعظم يخرج منه المسجونون، فيقضون حوائجهم من غسل وغيره، وكان الموكّلون يهملون أبا الأسود لعماه، فإذا رجع من النهر يقول: من يدلّ الأعمى على موضعه؟
وكان مولى له يحادثه على شاطئ النهر، ولا ينكر عليه، فواعده أن يأتيه بخيل يحمله عليها، فخرج يوما ومولاه ينتظره، فعبر النهر سباحة، وركب الخيل، ولحق بطليطلة، فاجتمع له خلق كثير، فرجع بهم إلى قتال عبد الرحمن الأمويّ، فالتقيا على الوادي الأحمر بقسطلونة، واشتدّ القتال، ثمّ انهزم أبو الأسود، وقتل من أصحابه أربعة آلاف سوى من تردّى في النهر، واتبعه الأمويّ يقتل من لحق، حتى جاوز قلعة الرّباح «1» ، ثمّ جمع، وعاد إلى قتال الأمويّ، في سنة تسع وستّين، فلمّا أحسّ بمقدّمة الأمويّ انهزم أصحابه، وهو معهم، فأخذ عياله، وقتل أكثر رجاله، وبقي إلى سنة سبعين، فهلك بقرية* من أعمال طليطلة «2» .
وقام بعده أخوه قاسم، وجمع جمعا، فغزاه الأمير، فجاء إليه بغير أمان فقتله.
وفيها هلك شيلون «3» ملك جليّقيّة، فولّوا مكانه اذفونش، فوثب عليه مورقاط، فقتله، فاختلّ أمرهم، فدخل عليهم نائب عبد الرحمن
(1) . رياح. B ؛ الرياح. P .C
(3) . سيلون. P .C ؛ شبلون. B ؛ شبالون. A