لم يلتفت الناس إليه، وأقبل زحر ومن معه حتى نزلوا إلى جانب الكوفة وأرسلوا إلى عمرو بن حريث: إنّ النفر لما بلغهم وفاة الأمير تفرّقوا فأقبلنا إلى مصرنا وأحببنا أن لا ندخل إلّا بإذن الأمير. فكتب إليهم ينكر عليهم عودهم ويأمرهم بالرجوع إلى المهلّب، ولم يأذن لهم في دخول الكوفة، فانتظروا الليل ثمّ دخلوا إلى بيوتهم فأقاموا حتى قدم الحجّاج أميرا.
في هذه السنة عزل عبد الملك بكير بن وسّاج عن خراسان وولّاها أميّة ابن عبد اللَّه بن خالد بن أسيد، وكانت ولاية بكير سنتين.
وكان سبب عزله أنّ تميما اختلفت بها فصارت مقاعس والبطون يتعصّبون لبحير، ويطلبون بكيرا، وصارت أوف والأبناء يتعصّبون لبكير، وكلّ هذه بطون من بني تميم، فخاف أهل خراسان أن تعود الحرب وتفسد البلاد ويقهرهم المشركون، فكتبوا إلى عبد الملك بذلك وأنّها لا تصلح إلّا على رجل من قريش لا يحسدونه ولا يتعصّبون عليه، فاستشار عبد الملك فيمن يولّيه، فقال أميّة: يا أمير المؤمنين تداركهم برجل منك. قال: لو لا انهزامك عن أبي فديك كنت لها. قال: يا أمير المؤمنين، واللَّه ما انهزمت حتى خذلني الناس ولم أجد مقاتلا، فرأيت أنّ انحيازي إلى فئة أفضل من تعريضي [1] عصبة بقيت من المسلمين للهلكة، وقد كتب إليك خالد بن عبد اللَّه بعذري، وقد علم الناس ذلك. فولّاه خراسان. وكان عبد الملك يحبّه، فقال الناس: ما رأينا أحدا عوّض من هزيمة ما عوّض أميّة.
[1] تعرّضي.