كان سيف الدولة مبارك بن كامل بن منقذ الكنانيّ ينوب عن شمس الدولة أخي صلاح الدين باليمن وتحكّم في الأموال والبلاد بعد أن فارقها شمس الدولة، كما ذكرنا، وكان هواه بالشام لأنّه وطنه، فأرسل إلى شمس الدولة يطلب الإذن له في المجيء إليه، فأذن له في المجيء، فاستناب بزبيد أخاه حطّان ابن كامل بن منقذ الكنانيّ، وعاد إلى شمس الدولة، وكان معه بمصر، فمات شمس الدولة، وبقي مع صلاح الدين فقيل عنه: إنّه أخذ أموال اليمن وادّخرها، وسعى به أعداؤه، فلم يعارضه صلاح الدين.
فلمّا كان هذه السنة وصلاح الدين بمصر اصطنع سيف الدولة طعاما وعمل دعوة كبيرة، ودعا [1] إليها أعيان الدولة الصلاحيّة بقرية تسمّى العدويّة، وأرسل أصحابه يتجهّزون من البلد، ويشترون ما يحتاجون إليه من الأطعمة وغيرها، فقيل لصلاح الدين إنّ ابن منقذ يريد الهرب، وأصحابه يتزوّدون له، ومتى دخل اليمن أخرجه عن طاعتك، فأرسل صلاح الدين فأخذه والنّاس عنده وحبسه، فلمّا سمع صلاح الدين جليّة الحال علم أنّ الحيلة تمّت لأعدائه في قبضه، فخفّف [2] ما كان عنده عليه، وسهّل أمره وصانعه على ثمانين ألف دينار مصريّة، سوى ما لحقها من الحمل لإخوة صلاح الدين وأصحابه وأطلقه وأعاده إلى منزلته، وكان أديبا شاعرا.
[1] - ودعي.
[2] - فخف.