قد ذكرنا رحيل صلاح الدين عن عكّا إلى الحروبة لمرضه، فلمّا برأ أقام بمكانه إلى أن ذهب الشتاء، وفي مدّة مقامه بالخروبة كان يزكه وطلائعه لا تنقطع عن الفرنج.
فلمّا دخل صفر من سنة ستّ وثمانين وخمسمائة سمع الفرنج أنّ صلاح الدين قد سار للصيد، ورأى العسكر الّذي في اليزك عندهم قليلا، وأنّ الواحل الّذي في مرج عكّا كثير يمنع من سلوكه من أراد أن ينجد اليزك، فاغتنموا ذلك، وخرجوا من خندقهم على اليزك وقت العصر، فقاتلهم المسلمون، وحموا أنفسهم بالنشاب، وأحجم الفرنج عنهم، حتّى فني نشابهم، فحملوا عليهم حينئذ حملة رجل واحد، فاشتدّ القتال، وعظم الأمر، وعلم المسلمون أنّه لا ينجيهم إلّا الصبر وصدق القتال، فقاتلوا قتال مستقتل إلى أن جاء الليل، وقتل من الفريقين جماعة كثيرة، وعاد الفرنج إلى خندقهم.
ولمّا عاد صلاح الدين إلى المعسكر سمع خبر الوقعة، فندب الناس إلى نصر إخوانهم، فأتاه الخبر أنّ الفرنج عادوا إلى خندقهم، فأقام، ثمّ إنّه رأى الشتاء قد ذهب، وجاءته العساكر من البلاد القريبة منه دمشق وحمص وحماة وغيرها، فتقدّم من الخروبة نحو عكّا، فنزل بتلّ كيسان، وقاتل الفرنج