أرى فارسين يركضان ركضا شديدا، ثمّ قال: اضربوا الطبل، وانشروا الأعلام، واركضوا نحوهما وصيحوا لبّيكما لبّيكما! ففعلوا ذلك، وأجرى النّاس خيلهم طلقا واحدا، حتى لحقوا بابك وهو جالس، فلم يطق أن يركب، حتى وافته الخيل، فاشتبكت الحرب، فلم يفلت من رجّالة بابك أحد، وأفلت هو في نفر يسير من خيّالته، ودخل موقان وقد تقطّع عنه أصحابه، ورجع عنه الأفشين إلى برزند.
وأقام بابك بموقان، وأرسل إلى البذّ، فجاءه عسكر، فرحل بهم من موقان، حتى دخل البذّ، ولم يزل الأفشين معسكرا ببرزند، فلمّا كان في بعض الأيّام مرّت قافلة، فخرج عليها أصبهبذ بابك، فأخذها وقتل من فيها، فقحط عسكر الأفشين لذلك، فكتب الأفشين إلى صاحب مراغة بحمل الميرة وتعجيلها، فوجّه إليه قافلة عظيمة، فيها قريب من ألف ثور، سوى غيرها من الدوابّ، تحمل الميرة، ومعها جند يسيرون بها، فخرج عليهم سريّة لبابك، فأخذوها عن آخرها، وأصاب العسكر ضيق شديد، فكتب الأفشين إلى صاحب شيروان يأمره أن يحمل إليه طعاما، فحمل إليه طعاما كثيرا، وأغاث النّاس، وقدم بغا على الأفشين بما معه.
وفي هذه السنة خرج المعتصم إلى سامرّا لبنائها، وكان سبب ذلك أنّه قال:
إنّي أتخوّف هؤلاء الحربيّة أن يصيحوا صيحة فيقتلوا غلماني، فأريد أن أكون فوقهم، فإن رابني منهم شيء أتيتهم في البرّ والماء، حتى آتي عليهم، فخرج إليها، فأعجبه مكانها.