الناس منهما إلّا النّصح لنا، والمحبّة لدولتنا، وقد سار ذلك في أقطار البلاد، فلا يجوز أن يظهر منّا هذه المكافأة الشنيعة، ومع هذا فلا بدّ وأن نقيم غيره مكانه ونعتمد عليه في منصبه، متمكّن مثله، أو ما يقاربه، فيخاف أن نفعل به مثل فعلنا بهذا، فيحذر من الدخول إلينا خوفا على نفسه، وإن دخل علينا كان خائفا مستعدّا للامتناع، وفي هذا الفعل منهم ما يسقط المنزلة، والرأي أن تراسل أبا عبد اللَّه بن البطائحيّ، فإنّه الغالب على أمر الأفضل، والمطّلع على سرّه، وتعده أن تولّيه منصبه، وتطلب منه أن يدبّر الأمر في قتله لمن يقاتله، إذا ركب، فإذا ظفرنا بمن قتله قتلناه، وأظهرنا الطلب بدمه، والحزن عليه، فنبلغ غرضنا، ويزول عنّا قبح الأحدوثة. ففعلوا ذلك فقتل كما ذكرناه.
ولمّا قتل ولي بعده أبو عبد اللَّه بن البطائحيّ الأمر، ولقّب المأمون، وتحكّم في الدولة، فبقي كذلك حاكما في البلاد إلى سنة تسع عشرة [وخمسمائة] ، فصلب كما نذكره إن شاء اللَّه تعالى.
في هذه السنة عصى [1] سليمان بن إيلغازي بن أرتق على أبيه بحلب، وقد جاوز عمره عشرين سنة، حمله على ذلك جماعة من عنده، فسمع والده الخبر، فسار مجدّا لوقته، فلم يشعر به سليمان حتّى هجم عليه، فخرج إليه معتذرا، فأمسك عنه، وقبض على من كان أشار عليه بذلك [2] ، منهم: أمير كان قد التقطه أرتق، والد إيلغازي، وربّاه، اسمه ناصر، فقلع عينيه، وقطع لسانه، ومنهم:
[1] عصا.
[2] ذلك.