وشهر [1] تقريبا.
وهذا دأب الدنيا لم تعط إلّا واستردّت، ولم تحل إلّا وتمرّرت، ولم تصف إلّا وتكدّرت، بل صفوها لا يخلو من الكدر وكدرها قد يخلو من الصفو.
نسأل اللَّه تعالى أن يقبل بقلوبنا إليه ويرينا الدنيا حقيقة، ويزهدنا فيها، ويرغبنا في الآخرة، إنّه سميع الدعاء قريب من الإجابة.
ولمّا وصلت البشارة إلى بغداد بذلك ضربت البشائر بها عدّة أيّام، وزيّنت بغداد وظهر من الفرح والجذل ما لا حدّ عليه. وسيّرت الخلع مع عماد الدين صندل، وهو من خواصّ الخدم المقتفويّة والمقدّمين في الدولة لنور الدين وصلاح الدين، فسار صندل إلى نور الدين وألبسه الخلعة، وسيّر الخلعة التي لصلاح الدين وللخطباء بالديار المصريّة، والأعلام السود، ثمّ إنّ صندلا هذا [2] صار أستاذ دار الخليفة المستضيء بأمر اللَّه ببغداد، وكان يدري الفقه على مذهب الشافعيّ، وسمع الحديث ورواه، ويعرف أشياء حسنة، وفيه دين، وله معروف كثير، وهو من محاسن بغداد.
في هذه السنة جرت أمور أوجبت أن تأثّر نور الدين من صلاح الدين، ولم يظهر ذلك. وكان سببه أنّ صلاح الدين يوسف بن أيّوب سار عن مصر في صفر من هذه السنة إلى بلاد الفرنج غازيا، ونازل حصن الشّوبك، وبينه وبين الكرك يوم، وحصره، وضيّق على من به من الفرنج، وأدام القتال،
[1] وشهرا.
[2] هذا صندل.