محمّد بن أنر، وهو من أكابر أمراء خراسان وأشجعهم، يعرّفه الحال، وطلب منه المسير إليهم بعسكره ومن قدر عليه من الأمراء ليجتمعوا عليهم ويقاتلوهم.
فسار محمّد بن أنر في جماعة من الأمراء وكثير من العسكر، واجتمعوا هم وفرخ شاه، وواقعوا الإسماعيليّة وقاتلوهم، وطالت الحرب بينهم، ثمّ نصر اللَّه المسلمين وانهزم الإسماعيليّة، وكثر القتل فيهم، وأخذهم السيف من كلّ مكان، وهلك أعيانهم وساداتهم: بعضهم قتل، وبعضهم أسر، ولم يسلم منهم إلّا القليل الشريد، وخلت قلاعهم وحصونهم من حام ومانع، فلو لا اشتغال العساكر بالغزّ لكانوا ملكوها بغير تعب ولا مشقّة، وأراحوا المسلمين منهم، ولكن للَّه أمر هو بالغه.
في هذه السنة، أو التي بعدها، ملك نور الدين محمود بن زنكي قلعة تلّ باشر، وهي شمالي حلب من أمنع القلاع.
وسبب ملكها أنّ الفرنج لما رأوا ملك نور الدين دمشق خافوه، وعلموا أنّه يقوى عليهم، ولا يقدرون على الانتصاف منه، لما كانوا يرون منه قبل ملكها، فراسله من بهذه القلعة من الفرنج، وبذلوا له تسليمها، فسيّر إليهم الأمير حسّان المنبجي، وهو من أكابر أمرائه، وكان إقطاعه ذلك الوقت مدينة منبج، وهي تقارب تلّ باشر، وأمره أن يسير إليها ويتسلّمها، فسار إليها وتسلّمها منهم، وحصّنها ورفع إليها من الذخائر ما يكفيها سنين كثيرة