وكان اليزك كلّ يوم يخبرون صلاح الدين بما يصنع الفرنج، ويعظمون الأمر عليه، وهو مشغول بالمرض، ولا يقدر على النهوض للحرب، وأشار عليه بعضهم بأن يرسل العساكر جميعها إليهم [1] ليمنعهم من الخندق والسور، ويقاتلوهم، ويتخلّف هو عنهم، فقال: إذا لم أحضر معهم لا يفعلون شيئا، وربّما كان من الشرّ أضعاف ما نرجوه من الخير، فتأخّر الأمر إلى أن عوفي، فتمكّن الفرنج وعملوا ما أرادوا، وأحكموا أمورهم، وحصّنوا نفوسهم بما وجدوا إليه السبيل، وكان من بعكّا يخرجون إليهم كلّ يوم، ويقاتلونهم، وينالون منهم بظاهر البلد.
في منتصف شوّال وصلت العساكر المصريّة، ومقدّمها الملك العادل سيف الدّين أبو بكر بن أيّوب، فلمّا وصل قويت نفوس الناس به وبمن معه، واشتدّت ظهورهم، وأحضر معه من آلات الحصار، من الدرق والطارقيّات والنشاب والأقواس، شيئا كثيرا، ومعهم من الرجّالة الجمّ الغفير، وجمع صلاح الدين من البلاد الشاميّة راجلا كثيرا، وهو على عزم الزحف إليهم بالفارس والراجل.
ووصل بعده الأسطول المصريّ، ومقدّمه الأمير لؤلؤ، وكان شهما، شجاعا، مقداما، خبيرا بالبحر والقتال فيه، ميمون النقيبة، فوصل بغتة، فوقع على بطسة كبيرة للفرنج، فغنمها، وأخذ منها أموالا كثيرة وميرة عظيمة، فأدخلها إلى عكّا، فسكنت نفوس من بها بوصول الأسطول وقوي جنانهم.
[1] إليها.