إلى طريق سنجر شاه ليقبض عليه إذا عاد، فخاف عزّ الدين أنّ صلاح الدين قد فعل ذلك مكيدة ليشنع عليه بنكث العهد، فلم يفعل شيئا من ذلك بل أرسل إليه يقول: أريد خطّك بذلك ومنشورا منك بالجزيرة، فتردّدت الرسل في ذلك إلى أن انقضت سنة ستّ وثمانين [وخمسمائة] ، ودخلت هذه السنة فاستقرت القاعدة بينهما، فسار عزّ الدين إلى الجزيرة، فحصرها أربعة أشهر وأيّاما آخرها شعبان، ولم يملكها بل استقرّت القاعدة بينه وبين سنجر شاه على يد رسول صلاح الدين، فإنّه كان قد أرسله بعد قصدها يقول: إنّ صاحب سنجار، وصاحب إربل وغيرهما قد شفعا في سنجر شاه، فاستقرّ الصلح على أن لعزّ الدين نصف أعمال الجزيرة، ولسنجر [شاه] نصفها، وتكون الجزيرة بيد سنجر شاه من جملة النصف.
وعاد عزّ الدين في شعبان إلى الموصل، وكان صلاح الدين بعد ذلك يقول:
ما قيل لي عن أحد شيء من الشرّ فرأيته إلّا كان دون ما يقال فيه، إلّا سنجر شاه، فإنّه كان يقال لي عنه أشياء استعظمتها، فلمّا رأيته صغر في عيني ما قيل فيه.
في هذه السنة، في صفر، سار تقي الدين من الشام إلى البلاد الجزريّة:
حرّان والرّها، وكان قد أقطعه إيّاها عمّه صلاح الدين، بعد أخذها من مظفّر الدين، مضافا إلى ما كان له بالشام، وقرّر معه أنّه يقطع البلاد للجند، ويعود وهم معه إليه ليتقوّى بهم على الفرنج، فلمّا عبر الفرات [1] ، وأصلح حال البلاد،
[1] الفزاة.