منهم غير رجلين، وجرح جسّاس جرحا شديدا مات منه، وقتل أصحابه فلم يسلم غير رجلين أيضا، فعاد كلّ واحد من السالمين إلى أصحابه. فلمّا سمع مرّة قتل ابنه جسّاس قال: إنّما يحزنني أن كان لم يقتل منهم أحدا.
فقيل له: إنّه قتل بيده أبا نويرة رئيس القوم وقتل معه خمسة عشر رجلا ما شركه منّا أحد في قتلهم وقتلنا نحن الباقين، فقال: ذلك ممّا يسكّن قلبي عن جسّاس.
وقيل: إنّ جسّاسا آخر من قتل في حرب بكر وتغلب، وكان سبب قتله أنّ أخته جليلة كانت تحت كليب وائل. فلمّا قتل كليب عادت إلى أبيها وهي حامل ووقعت الحرب، وكان من الفريقين ما كان، ثمّ عادوا إلى الموادعة بعد ما كادت الفئتان «1» تتفانيان «2» [1] ، فولدت أخت جسّاس غلاما فسمّته هجرسا، وربّاه جسّاس، وكان لا يعرف أبا غيره، فزوّجه ابنته، فوقع بين هجرس وبين رجل من بكر كلام، فقال له البكريّ: ما أنت بمنته حتّى نلحقك بأبيك. فأمسك عنه ودخل إلى أمّه كئيبا حزينا فأخبرها الخبر. فلمّا نام إلى جنب امرأته رأت من همّه وفكره ما أنكرته، فقصّت على أبيها جسّاس قصّته، فقال: ثائر وربّ الكعبة! وبات على مثل الرّضف حتّى أصبح، فأحضر الهجرس فقال له: إنّما أنت ولدي وأنت منّي بالمكان الّذي تعلم، وزوّجتك ابنتي، وقد كانت الحرب في أبيك زمانا طويلا، وقد اصطلحنا وتحاجزنا، وقد رأيت أن تدخل في ما دخل فيه الناس من الصلح وأن تنطلق معي حتّى نأخذ عليك مثل ما أخذ علينا. فقال الهجرس:
أنا فاعل. فحمله جسّاس على فرس فركبه ولبس لأمته وقال: مثلي لا يأتى
[1] تتفانى.
(1) القبيلتان. B .etR
(2) تفنان. R تنفيانى. B