لا يضرّك معه ما ضيّعت، فاتّق اللَّه فيما خوّلك.
قيل: وقال إسحاق بن عيسى: لم يكن أحد من بني العبّاس يتكلّم فيبلغ حاجته على البديهة، غير المنصور، وأخيه العبّاس بن محمّد، وعمّهما داود بن عليّ، قيل: وخطب المنصور يوما، فقال: الحمد للَّه أحمده وأستعينه، وأؤمن به، وأتوكّل عليه، وأشهد أن لا إله إلّا اللَّه وحده لا شريك له. فاعترضه إنسان فقال: أيّها الإنسان أذكّرك من ذكّرت «1» به! فقطع الخطبة، ثمّ قال: سمعا، سمعا لمن حفظ «2» عن اللَّه، وأعوذ باللَّه أن أكون جبّارا عنيدا، أو تأخذني العزّة بالإثم، لقد ضللت، إذا، وما أنا من المهتدين. وأنت أيّها القائل، فو اللَّه ما أردت بهذا القول اللَّه، ولكنّك أردت أن يقال قام، فقال، فعوقب، فصبر، وأهون بها، ويلك، لقد هممت، واغتنمها إذ عفوت، وإيّاك، وإيّاكم معاشر المسلمين «3» أختها، فإنّ الحكمة علينا نزلت، ومن عندنا فصلت، فردّوا الأمر إلى أهله، توردوه موارده، وتصدروه مصادره.
ثمّ عاد إلى خطبته، كأنّما يقرأها، فقال: وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله.
وقال عبد اللَّه بن صاعد: خطب المنصور بمكّة، بعد بناء بغداذ، فكان ممّا قال: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ «4» . أمر مبرم، وقول عدل، وقضاء فصل، والحمد للَّه الّذي أفلج [1] حجّته، وبعدا للقوم الظالمين الذين اتّخذوا الكعبة غرضا، والفيء إرثا وجَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ «5» ، لقد حاقَ بِهِمْ
[1] أفلح.
(1) . ذكرك. P .C
(2) . حضر. P .C
(3) . الناس. P .C