قالَتا: لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ [1] . فرحمهما موسى فأتى البئر فاقتلع صخرة عليها كان النفر من أهل مدين يجتمعون عليها حتى يرفعوها فسقى لهما غنمهما، فرجعتا سريعا، وكانتا إنّما تسقيان من فضول الحياض. وقصد موسى شجرة هناك ليستظلّ بها فقال: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [2] .
قال ابن عبّاس: لقد قال موسى [ذلك] ولو شاء إنسان أن ينظر إلى خضرة أمعائه من شدّة الجوع لفعل وما سأل إلّا أكلة.
فلمّا رجع الجاريتان إلى أبيهما سريعا سألهما فأخبرتاه، فأعاد إحداهما إلى موسى تستدعيه، فأتته وقالت له: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا [3] . فقام معها، فمشت بين يديه، فضربت الريح ثوبها فحكى عجيزتها، فقال لها: امشي خلفي ودلّيني على الطريق فإنّا أهل بيت لا ننظر في أعقاب النّساء.
فلمّا أتاه وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ: لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [3] . قالت إحداهما، وهي التي أحضرته: يا أَبَتِ اسْتَاجِرْهُ، إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَاجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [4] . قال لها أبوها: القوّة قد رأيتها فما يدريك بأمانته؟ فذكرت له ما أمرها به من المشي خلفه. فقال له أبوها: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَاجُرَنِي - نفسك- ثَمانِيَ حِجَجٍ، فَإِنْ أَتْمَمْتَ
[1] (سورة القصص 28، الآية 23) .
[2] (سورة القصص 28، الآية 24) .
[3] (سورة القصص 28، الآية 25) .
[4] (سورة القصص 28، الآية 26) .