جمع أمراءه واستشارهم: هل يكون المسير محاذاة الفرنج ومقاتلتهم وهم سائرون، أو يكون في غير الطريق التي سلكوها؟ فقالوا: لا حاجة بنا إلى احتمال المشقّة في مسايرتهم، فإنّ الطريق وعر وضيّق، ولا يتهيأ لنا ما نريده منهم، والرأي أنّنا نسير في الطريق المهيع، ونجتمع عليهم عند عكّا، فنفرّقهم ونمزّقهم.
فعلم ميلهم إلى الراحة المعجّلة، فوافقهم، وكان رأيه مسايرتهم ومقاتلتهم وهم سائرون، وقال: إنّ الفرنج إذا نزلوا لصقوا بالأرض، فلا يتهيّأ لنا إزعاجهم، ولا نيل الغرض منهم، والرأي قتالهم قبل الوصول إلى عكّا، فخالفوه، فتبعهم، وساروا على طريق كفر كنّا، فسبقهم الفرنج، وكان صلاح الدين قد جعل في مقابل الفرنج جماعة من الأمراء يسايرونهم، ويناوشونهم القتال، ويتخطّفونهم، ولم يقدم الفرنج عليهم مع قلّتهم، فلو أنّ العساكر اتبعت رأي صلاح الدين في مسايرتهم ومقاتلتهم قبل نزولهم على عكّا، لكان بلغ غرضه وصدّهم عنها، ولكن إذا أراد اللَّه أمرا هيّأ أسبابه.
ولمّا وصل صلاح الدين إلى عكّا رأى الفرنج قد نزلوا عليها من البحر إلى البحر، من الجانب الآخر، ولم يبق للمسلمين إليها طريق، فنزل صلاح الدين عليهم، وضرب خيمته على تلّ كيسان، وامتدّت ميمنته إلى تلّ الغياظيّة «1» ، وميسرته إلى النهر الجاري، ونزلت الأثقال بصفّوريّة، وسيّر الكتب إلى الأطراف باستدعاء العساكر، فأتاه عسكر الموصل، وديار بكر، وسنجار وغيرها من بلاد الجزيرة، وأتاه تقي الدين ابن أخيه، وأتاه مظفّر الدين بن زين الدين، وهو صاحب حرّان والرّها.
وكانت الأمداد تأتي المسلمين في البرّ وتأتي الفرنج في البحر، وكان بين الفريقين مدّة مقامهم على عكّا حروب كثيرة ما بين صغيرة وكبيرة، منها اليوم المشهور، ومنها ما هو دون ذلك، وأنا أذكر الأيّام الكبار لئلّا يطول
(1) تل العياضية. A