بعضهم في بلادهم لحفظها، وجيش مع تبّع، وجيش مع حسّان يسير بهم إلى مثل الصين في كثرة عساكره ومقاتلته، وجيش مع ابن أخيه تبّع يلقى به مثل كسرى ويهزمه ويملك بلاده ويحاصر به مثل سمرقند في كبرها وعظمها وكثرة أهلها، وجيش مع يعفر يسير بهم إلى ملك الروم ويملك القسطنطينيّة! والمسلمون مع كثرة ممالكهم واتّساعها وكثرة عددهم قد اجتهدوا ليأخذوا القسطنطينيّة أو ما يجاورها واليمن من أقلّ بلادهم عددا وجنودا فلم يقدروا على ذلك، فكيف يقدر عليه بعض عساكر اليمن مع تبّع؟ هذا ممّا تأباه العقول، وتمجّه الأسماع.
ثمّ إنّه قال: إنّ ملك تبّع بلاد الفرس والروم والصين وغيرها كان بعد قتل قباذ، يعني أيّام ابنه أنوشروان، ولا خلاف أنّ مولد النبيّ، صلّى اللَّه عليه وسلّم، كان في زمن أنوشروان، وكان ملكه سبعا وأربعين سنة، ولا خلاف أيضا أنّ الحبشة لما ملكت اليمن انقرض ملك [1] حمير منه، وكان آخر ملوكهم ذا نواس. وكان ملك حمير قد اختلّ قبل ذي نواس، وانقطع نظامهم حتّى طمعت الحبشة فيه وملكته، وكان ملكهم اليمن أيّام قباذ، وكيف يمكن أن يكون ملك الحبشة الّذي هو مقطوع به أيّام قباذ ويكون تبّع هو الّذي ملك اليمن قد قتل قباذ وملك بلاده قبل أن تملك الحبشة اليمن؟ هذا مردود محال وقوعه، وكان ملك الحبشة اليمن سبعين سنة، وقيل أكثر من ذلك، وكان انقراض ملكهم في آخر ملك أنوشروان، والخبر في ذلك مشهور، وحديث سيف ذي يزن في ذلك ظاهر، ولم يزل اليمن بعد الحبشة في يد الفرس إلى أن ملكه المسلمون، فكيف يستقيم أن ينقضي ملك تبّع الّذي هو ملك بلاد فارس ومن بعده من ملوك حمير وملك الحبشة وهو سبعون سنة في ملك أنوشروان وكان ملكه نيفا وأربعين سنة؟ وهذا أعجب أنّ مدّة بعضها سبعون
[1] انقرضت ملوك.