فاشتدّ ذلك عليه، وتطيّر منه، وقال: غنّي غير ذلك، فغنّت:
أبكى فراقهم [1] عيني فأرّقها ... إنّ التّفرّق للأحباب بكّاء
ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم ... حتى تفانوا وريب الدّهر عدّاء
فقال لها: لعنك اللَّه! أما تعرفين من الغناء غير هذا؟ فقالت: ما تغنّيت إلّا بما [2] ظننت أنّك تحبّه، ثمّ غنّت آخر:
أما وربّ السّكون والحرك ... إنّ المنايا كثيرة الشّرك
ما اختلف اللّيل والنّهار ولا [3] ... دارت نجوم السّماء في الفلك
إلّا لنقل النّعيم من [4] ملك ... قد زال سلطانه إلى ملك
وملك ذي العرش دائم أبدا ... ليس بفان ولا بمشترك
فقال لها: قومي، غضب اللَّه عليك ولعنك! [قال] : فقامت [5] ، وكان له قدح من بلّور، حسن الصّنعة، كان يسمّيه ربّ رياح، وكان موضوعا بين يديه، فعثرت الجارية به، فكسرته، فقال: ويحك يا إبراهيم! ما ترى ما جاءت به هذه الجارية، ثمّ ما كان من كسر القدح؟ واللَّه ما أظنّ أمري إلّا وقد قرب! فقلت: يديم اللَّه ملكك، ويعزّ سلطانك، ويكبت عدوّك! فما استتمّ الكلام حتى سمعنا صوتا: قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ «1» . فقال:
[1] فراقكم.
[2] ما.
[3] وما.
[4] السلطان عن.
[5] قامت.