واقعوهم فيها اثنتي عشرة مرّة في كلّ ذلك ينهزم عسكر الأمين، وأصحاب طاهر يقتلون ويأسرون حتى حال اللّيل بينهم وغنموا غيمة عظيمة.
ونادى طاهر: من ألقى سلاحه فهو آمن. وطرحوا أسلحتهم ونزلوا عن دوابّهم، ورجع طاهر إلى الريّ، وكتب إلى لمأمون وذي الرئاستين:
بسم اللَّه الرّحمن الرحيم، كتابي إلى أمير المؤمنين، ورأس عليّ بن عيسى بين يديّ، وخاتمه في إصبعي، وجنده مصرّفون تحت أمري، والسلام، فورد الكتاب مع البريد في ثلاثة أيّام، وبينهما نحو من خمسين ومائتي فرسخ، فدخل ذو الرئاستين على المأمون، فهنّأه بالفتح، وأمر النّاس، فدخلوا عليه، فسلّموا عليه بالخلافة، ثمّ وصل رأس عليّ بعد الكتاب بيومين، فطيف به في خراسان.
ولما وصل الكتاب بالفتح كان المأمون قد جهّز هرثمة في جيش كثير ليسيّره نجدة لطاهر، فأتاه الخبر بالفتح.
وأمّا الأمين فإنه أتاه نعي عليّ بن عيسى وهو يصطاد السمك، فقال للذي أخبره: ويلك دعني، فإنّ كوثرا قد اصطاد سمكتين، وأنا ما صدت شيئا بعد.
ثمّ بعث الفضل إلى نوفل الخادم، وهو وكيل المأمون على ملكه بالسواد، والناظر في أمر أولاده ببغداذ، وكان للمأمون معه ألف ألف درهم كان قد وصله بها الرشيد، فأخذ جميع ما عنده، وقبض ضياعه وغلّاته، فقال بعض شعراء بغداذ في ذلك:
أضاع الخلافة عشّ الوزير ... وفسق الأمير وجهل المشير
ففضل وزير، وبكر مشير ... يريدان ما فيه حتف الأمير
وما ذاك إلّا طريق غرور ... وشرّ المسالك طرق الغرور