عمّ إنّي أرى ما يسأم أبي من إخراج هذا الأمر من عنقه وهو يؤذى بصنوف الأذى والمكروه [1] ، فهو يهدّد مرّة، ويؤخّر إذنه مرّة، ويهدم عليه الحيطان مرّة، وتدسّ إليه الحتوف مرّة، وأبي لا يعطي على ذلك شيئا ولا يكون ذلك أبدا، ولكن هاهنا طريق لعلّه يعطي عليها وإلّا فلا، قال: وما هو؟ قال:
يقبل عليه أمير المؤمنين وأنا شاهد فيقول له: إنّي أعلم أنّك لا تبخل بهذا الأمر [عن المهديّ] لنفسك لكبر سنّك وأنّه لا تطول مدّتك فيه، وإنّما تبخل به لابنك، أفتراني أدع ابنك يبقى بعدك حتّى يلي على ابني؟ كلّا واللَّه لا يكون ذلك أبدا، ولأثبنّ «1» [2] على ابنك وأنت تنظر حتّى تيأس منه.
فإن فعل ذلك فلعلّه أن يجيب إلى ما يراد منه.
فجاء العبّاس إلى المنصور وأخبره بذلك، فلمّا اجتمعوا عنده قال ذلك، وكان عيسى بن عليّ حاضرا، فقام ليبول، فأمر عيسى بن موسى ابنه موسى ليقوم معه يجمع عليه ثيابه، فقام معه، فقال له عيسى بن عليّ: بأبي أنت وبأبي أب ولدك! واللَّه إنّي لأعلم أنّه لا خير في هذا الأمر بعدكما، وانّكما لأحقّ به، ولكنّ المرء مغرى بما تعجّل، فقال موسى [في نفسه] : امكنني هذا واللَّه من مقاتله «2» وهو الّذي يغري بأبي، واللَّه لأقتلنّه! فلمّا رجعا قال موسى لأبيه ذلك سرّا، فاستأذنه في أن يقول للمنصور ما سمع منه، فقال له أبوه: أفّ [3] لهذا رأيا ومذهبا! ائتمنك عمّك «3» على مقالة أراد أن يسرّك بها فجعلتها سببا لمكروهه، لا يسمعنّ هذا أحد، ارجع إلى مكانك.
[1] بالمكروه.
[2] ولأبثنّ.
[3] إنّ.
(1) . ولا يثير. P .C
(2) . مقابلة. P .C
(3) . انميل عمل. A