ودعا ببرذون له مدرّب ليركبه، فجعل يمنعه حتّى أعيا. فلمّا رأى ذلك عاد إلى سريره فجلس عليه وقال: دعوه، إنّ هذا أمر يراد. وجاء حيّان النبطيّ في العجم وقتيبة واجد عليه، فقال عبد اللَّه أخو قتيبة لحيّان: احمل عليهم.
فقال حيّان: لم يأن بعد. فقال عبد اللَّه: ناولني قوسي. فقال حيّان: ليس هذا بيوم قوس. وقال حيّان لابنه: إذا رأيتني قد حوّلت قلنسوتي ومضيت نحو عسكر وكيع فمل بمن معك من العجم إليّ.
فلمّا حوّل حيّان قلنسوته مالت الأعاجم إلى عسكر وكيع وكبّروا.
فبعث قتيبة أخاه صالحا إلى الناس، فرماه رجل من بني ضبّة، وقيل من بلعم، فأصاب رأسه، فحمل إلى قتيبة ورأسه مائل فوضع في مصلّاه، وجلس قتيبة عنده ساعة.
وتهايج الناس وأقبل عبد الرحمن أخو قتيبة نحوهم، فرماه أهل السوق والغوغاء فقتلوه، وأحرق الناس موضعا كانت فيه إبل لقتيبة ودوابّه ودنوا منه. فقاتل عنه رجل من باهلة، فقال له قتيبة: أنج بنفسك. فقال: بئس ما جزيتك إذا وقد أطعمتني الجردق [1] وألبستني النّرمق [2] . وجاء الناس حتّى بلغوا فسطاطه فقطعوا أطنابه، وجرح قتيبة جراحات كثيرة، فقال جهم ابن زحر بن قيس لسعد: انزل فخذ رأسه، فنزل سعد فشقّ الفسطاط واحتزّ رأسه وقتل معه من أهل إخوته عبد الرحمن وعبد اللَّه وصالح وحصين وعبد الكريم ومسلم، وقتل كثير ابنه، وقيل: قتل عبد الكريم بقزوين.
وكان عدّة من قتل مع قتيبة من أهل بيته أحد عشر رجلا، ونجا عمر ابن مسلم أخو قتيبة، نجّاه أخواله. وكانت أمّه الغبراء بنت ضرار بن القعقاع
[1] الجردوق. (والجردوق: الرغيف، فارسيّة) .
[2] النمرق. (والنّرمق: الليّن، فارسيّة) .