ثمّ أخذ رايته قرّة بن عليّ فقتل في رجال من أهل البأس وانهزمت الميسرة، فأخذ الراية عبد اللَّه بن ورقاء بن جنادة السّلوليّ ابن أخي حبشيّ بن جنادة صاحب رسول اللَّه، صلّى اللَّه عليه وسلّم، فاستقبل المنهزمين، فقال: إليّ يا شرطة اللَّه. فأقبل إليه أكثرهم. فقال: هذا أميركم يقاتل ابن زياد، ارجعوا بنا إليه. فرجعوا، وإذا إبراهيم كاشف رأسه ينادي: إليّ شرطة اللَّه، أنا ابن الأشتر، إنّ خير فرّاركم كرّاركم، ليس مسيئا [1] من أعتب. فرجع إليه أصحابه، وحملت ميمنة إبراهيم على ميسرة ابن زياد وهم يرجون أن ينهزم عمير بن الحباب، كما زعم، فقاتلهم عمير قتالا شديدا وأنف من الفرار. فلمّا رأى ذلك إبراهيم قال لأصحابه: اقصدوا هذا السواد الأعظم، فو اللَّه لو [2] هزمناه لا نجفل من ترون يمنة ويسرة انجفال طير ذعرتها. فمشى أصحابه إليهم فتطاعنوا ثمّ صاروا إلى السيوف والعمد فاضطربوا بها مليّا، وكان صوت الضرب بالحديد كصوت القصّارين [2] ، وكان إبراهيم يقول لصاحب رايته:
انغمس برايتك فيهم. فيقول: ليس لي متقدّم. فيقول: بلى، فإذا تقدّم شد إبراهيم بسيفه فلا يضرب [به] رجلا إلّا صرعة، وكرد [3] إبراهيم الرّجّالة [من] بين يديه كأنّهم الحملان، وحمل أصحابه حملة رجل واحد.
واشتدّ القتال فانهزم أصحاب ابن زياد وقتل من الفريقين قتلى كثيرة.
وقيل: إنّ عمير بن الحباب أوّل من انهزم، وإنّما كان قتاله أوّلا تعذيرا.
[1] شيئا.
[2] لئن.
[3] وكرّر. (والكرد: الطّرد) .