الغسّاني مختفيا بدمشق لم يشهد الجابية، فغلب على دمشق وأخرج عامل الضحّاك ابن قيس وغلب على الخزائن وبيت المال وبايع لمروان وأمدّه بالأموال والرجال والسلاح، فكان أوّل فتح على بني أميّة.
وتحارب مروان والضحّاك بمرج راهط عشرين ليلة واقتتلوا قتالا شديدا، فقتل الضحّاك، قتله دحية بن عبد اللَّه، وقتل معه ثمانون رجلا من أشراف أهل الشام، وقتل أهل الشام مقتلة عظيمة، وقتلت قيس مقتلة لم يقتل مثلها في موطن قطّ، وكان فيمن قتل هانئ بن قبيصة النّميريّ سيّد قومه، كان مع الضحّاك، قتله وازع بن ذؤالة الكلبيّ، فلمّا سقط جريحا قال:
تعست ابن ذات النّوف أجهز على فتى [1] ... يرى الموت خيرا من فرار وألزما
ولا تتركنّي بالحشاشة إنّني ... صبور إذا [ما] النّكس مثلك أحجما
فعاد إليه وازع فقتله «1» .
وكانت الوقعة في المحرّم سنة خمس وستّين، وقيل: بل كانت في آخر سنة أربع وستّين.
ولما رأى مروان رأس الضحّاك ساءه ذلك وقال: الآن حين كبرت سنّي ودقّ عظمي وصرت في مثل ظم ء [2] الحمار، أقبلت بالكتائب أضرب بعضها ببعض! ولما انهزم الناس من المرج لحقوا بأجنادهم، فانتهى أهل حمص إليها وعليها النعمان بن بشير، فلمّا بلغه الخبر خرج هاربا ليلا ومعه امرأته نائلة
[1] فيء.
[2] طمّ. (أي لم يبق من عمره إلّا اليسير، يقال إنّه ليس شيء من الدوابّ أقصر ظمأ من الحمار) .