ما سألني خصلة أبدا إلّا أعطيته إيّاها ولدفعت الحتف عنه بكلّ ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن قضى اللَّه ما رأيت. يا بنيّ كاتبني حاجة تكون لك. وأوصى بهم هذا الرسول، فخرج بهم فكان يسايرهم ليلا فيكونون أمامه بحيث لا يفوتون طرفه، فإذا نزلوا تنحّى عنهم هو وأصحابه، فكانوا حولهم كهيئة الحرس، وكان يسألهم عن حاجتهم ويلطف بهم حتى دخلوا المدينة. فقالت فاطمة بنت عليّ لأختها زينب: لقد أحسن هذا الرجل إلينا فهل لك أن نصله بشي ء؟ فقالت: واللَّه ما معنا ما نصله به إلّا حليّنا، فأخرجتا سوارين ودملجين لهما فبعثتا بها [1] إليه واعتذرتا، فردّ الجميع وقال: لو كان الّذي صنعت للدنيا لكان في هذا ما يرضيني، ولكن واللَّه ما فعلته إلّا للَّه ولقرابتكم من رسول اللَّه، صلّى اللَّه عليه وسلّم.
وكان مع الحسين امرأته الرباب بنت امرئ القيس، وهي أمّ ابنته سكينة، وحملت إلى الشام فيمن حمل من أهله، ثمّ عادت إلى المدينة، فخطبها الأشراف من قريش، فقالت: ما كنت لأتخذ حموا بعد رسول اللَّه، صلّى اللَّه عليه وسلّم. وبقيت بعده سنة لم يظلّها سقف بيت حتى بليت وماتت كمدا، وقيل: إنّها أقامت على قبره سنة وعادت إلى المدينة فماتت أسفا عليه.
فأرسل عبيد اللَّه بن زياد مبشّرا إلى المدينة بقتل الحسين إلى عمرو بن سعيد، فلقيه رجل من قريش فقال: ما الخبر؟ فقال: الخبر عند الأمير. فقال القرشيّ:
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، قتل الحسين.
ودخل البشير على عمرو بن سعيد فقال: ما وراءك؟ قال: ما سرّ الأمير، قتل الحسين بن عليّ. فقال: ناد بقتله، فنادى، فصاح نساء بني هاشم وخرجت ابنة عقيل بن أبي طالب ومعها نساؤها حاسرة تلوي ثوبها وهي تقول:
[1] به.