ثمّ قال لمسلم: يا ابن عقيل أتيت الناس وأمرهم جميع وكلمتهم واحدة لتشتّت بينهم وتفرّق كلمتهم! فقال: كلّا ولكن أهل هذا المصر زعموا أنّ أباك قتل خيارهم وسفك دماءهم وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر فأتيناهم لنأمر بالعدل وندعو إلى حكم الكتاب والسّنّة. فقال: وما أنت وذاك يا فاسق؟
ألم يكن يعمل بذلك فيهم إذ أنت تشرب الخمر بالمدينة؟ قال: أنا أشرب الخمر! واللَّه إنّ اللَّه يعلم أنّك تعلم أنّك غير صادق وأنّي لست كما ذكرت، وإنّ أحقّ الناس بشرب الخمر منّي من يلغ في دماء المسلمين فيقتل النفس التي حرّم اللَّه قتلها على الغضب والعداوة وهو يلهو ويلعب كأنّه لم يصنع شيئا. فقال له ابن زياد: قتلني اللَّه إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد في الإسلام! قال: أما إنّك أحقّ من أحدث في الإسلام ما ليس فيه، أمّا إنّك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السيرة ولؤم الغلبة ولا أحد من الناس أحقّ بها منك. فشتمه ابن زياد وشتم الحسين وعليّا وعقيلا، فلم يكلّمه مسلم، ثمّ أمر به فأصعد فوق القصر لتضرب رقبته ويتبعوا رأسه جسده، فقال مسلم لابن الأشعث: واللَّه لو لا أمانك ما استسلمت، قم بسيفك دوني، قد أخفرت ذمّتك. فأصعد مسلم فوق القصر وهو يستغفر ويسبّح، وأشرف به على موضع الحدائين [1] فضربت عنقه، وكان الّذي قتله بكير بن حمران الّذي ضربه مسلم، ثمّ أتبع رأسه جسده.
فلمّا نزل بكير قاله له ابن زياد: ما كان يقول وأنتم تصعدون به؟ قال:
كان يسبّح ويستغفر،* فلمّا أدنيته لأقتله [2] قلت له: ادن مني، الحمد للَّه الّذي* أمكن منك «1» وأقادني منك! فضربته ضربة لم تغن شيئا، فقال: أما ترى في
[1] (في الطبري: على موضع الجزّارين اليوم) .
[2] * فلمّا فتلته.