قال بكر بن عبد اللَّه: جاء عمر بن الخطّاب إلى عبد الرحمن بن عوف وهو يصلّي في بيته ليلا، فقال له عبد الرحمن: ما جاء بك في هذه الساعة؟ قال: رفقة نزلت في ناحية السوق خشيت عليهم سرّاق المدينة، فانطلق فلنحرسهم. فأتيا السوق فقعدا على نشز من الأرض يتحدّثان، فرفع لهما مصباح فقال عمر:
ألم أنه عن المصابيح بعد النوم؟ فانطلقا فإذا قوم على شراب لهم. قال: انطلق فقد عرفته. فلمّا أصبح أرسل إليه قال: يا فلان كنت وأصحابك البارحة على شراب! قال: وما أعلمك يا أمير المؤمنين؟ قال: شيء شهدته. قال: أولم ينهك اللَّه عن التجسّس؟ فتجاوز عنه.
وإنّما نهى عمر عن المصابيح لأن الفأرة تأخذ الفتيلة فترمي بها في سقف البيت فتحرقه، وكانت السقوف من جريد، وقد كان رسول اللَّه، صلّى اللَّه عليه وسلّم، نهى عن ذلك قبله.
وقال أسلم: وخرج عمر إلى حرّة وأقم وأنا معه، حتى إذا كنّا بصرار إذا نار تسعّر. فقال: انطلق بنا إليهم. فهرولنا حتى دنونا منهم فإذا بامرأة معها صبيان لها وقدر منصوبة على نار وصبيانها يتضاغون. فقال عمر: السلام عليكم يا أصحاب الضوء. وكره أن يقول: يا أصحاب النار. قالت: وعليك السلام.
قال: أدنو؟ قالت: ادن بخير أو دع. فدنا فقال: ما بالكم؟ قالت: قصّر بنا الليل والبرد. قال: فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون؟ قالت: [من] الجوع.
قال: وأي شيء في هذه القدر؟ قالت: ما لي ما أسكتهم حتى يناموا فأنا أعلّلهم وأوهمهم أنّي أصلح لهم شيئا حتى يناموا، اللَّه بيننا وبين عمر! قال: أي رحمك اللَّه، ما يدري بكم عمر؟ قالت: يتولّى أمرنا ويغفل عنّا. فأقبل عليّ وقال: انطلق بنا. فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق فأخرج عدلا فيه كبة شحم فقال: احمله على ظهري. قال أسلم: فقلت: أنا أحمله عنك، مرّتين أو ثلاثا. فقال آخر ذلك: أنت تحمل عني وزري يوم القيامة لا أمّ لك! فحملته