أحد عشر رجلا وأربع نسوة، وكان مسيرهم في رجب سنة خمس من النبوة، وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة، فأقاموا شعبان وشهر رمضان.
وقدموا في شوّال سنة خمس من النبوّة، وكان سبب قدومهم إلى النبيّ، صلّى اللَّه عليه وسلّم، [أنّه] لما رأى مباعدة قومه له شقّ عليه وتمنّى أن يأتيه اللَّه بشيء يقاربهم به، وحدّث نفسه بذلك، فأنزل اللَّه: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى «1» ، فلمّا وصل إلى قوله: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى «2» ، ألقى الشيطان على لسانه لما كان يحدّث به نفسه: تلك الغرانيق العلى، وإنّ شفاعتهنّ لترتجى. فلمّا سمعت ذلك قريش سرّهم والمسلمون مصدّقون بذلك لرسول اللَّه، صلّى اللَّه عليه وسلّم، لا يتّهمونه ولا يظنّون به سهوا ولا خطأ.
فلمّا انتهى إلى سجدة سجد معه المسلمون والمشركون إلّا الوليد بن المغيرة، فإنّه لم يطق السجود لكبره، فأخذ كفّا من البطحاء فسجد عليها. ثمّ تفرّق الناس. وبلغ الخبر من بالحبشة من المسلمين أنّ قريشا أسلمت، فعاد منهم قوم وتخلّف قوم، وأتى جبرائيل رسول اللَّه، صلّى اللَّه عليه وسلّم، فأخبره بما قرأ، فحزن رسول اللَّه، صلّى اللَّه عليه وسلّم، وخاف، فأنزل اللَّه تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ «3» ، فذهب عنه الحزن والخوف.
واشتدّت قريش على المسلمين، فلمّا قرب المسلمون الذين كانوا بالحبشة من مكّة بلغهم أنّ إسلام أهل مكّة باطل، فلم يدخل أحد منهم إلّا بجوار أو مستخفيا، فدخل عثمان في جوار أبي أحيحة سعيد بن العاص بن أميّة، فأمن بذلك، ودخل أبو حذيفة بن عتبة بجوار أبيه، ودخل عثمان بن مظعون بجوار الوليد بن المغيرة، ثمّ قال: أكون في ذمّة مشرك! جوار اللَّه أعزّ، فردّ عليه جواره، وكان لبيد بن ربيعة ينشد قريشا قوله: