تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ السورة
وقال جعفر بن عبد اللَّه بن أبي الحكم: لما أنزل اللَّه على رسوله: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، اشتدّ ذلك عليه وضاق به ذرعا، فجلس في بيته كالمريض، فأتته عمّاته يعدنه، فقال: ما اشتكيت شيئا ولكن اللَّه أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين. فقلن له: فادعهم ولا تدع أبا لهب فيهم فإنّه غير مجيبك. فدعاهم، صلّى اللَّه عليه وسلّم، فحضروا ومعهم نفر من بني المطّلب بن عبد مناف، فكانوا خمسة وأربعين رجلا، فبادره أبو لهب وقال: هؤلاء هم عمومتك وبنو عمّك فتكلّم ودع الصّباة، واعلم أنّه ليس لقومك في العرب قاطبة طاقة، وأنّ أحقّ من أخذك فحبسك بنو أبيك، وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش وتمدّهم العرب، فما رأيت أحدا جاء على بني أبيه بشرّ ممّا جئتهم به. فسكت رسول اللَّه، صلّى اللَّه عليه وسلّم، ولم يتكلّم في ذلك المجلس، ثمّ دعاهم ثانية وقال: الحمد للَّه، أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكّل عليه وأشهد أن لا إله إلّا اللَّه وحده لا شريك له، ثمّ قال: إنّ الرائد لا يكذّب أهله، واللَّه الّذي لا إله إلّا هو إنّي رسول اللَّه إليكم خاصّة وإلى الناس عامّة، واللَّه لتموتنّ كما تنامون، ولتبعثنّ كما تستيقظون، ولتحاسبنّ بما تعملون، وإنّها الجنّة أبدا والنار أبدا.
فقال أبو طالب: ما أحبّ إلينا معاونتك وأقبلنا لنصيحتك وأشدّ تصديقنا لحديثك، وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنّما أنا أحدهم، غير أنّي أسرعهم إلى ما تحبّ، فامض لما أمرت به فو اللَّه لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أنّ نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطّلب.
فقال أبو لهب: هذه واللَّه السوأة! خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم.
فقال أبو طالب: واللَّه لنمنعنّه ما بقينا.