وفاة والده الملك العادل، عشر سنين وخمسة أشهر وثلاثة [1] وعشرين يوما.
وكان عالما بعدّة علوم، فاضلا فيها، منها الفقه على مذهب أبي حنيفة، فإنّه كان قد اشتغل به كثيرا، وصار من المتميّزين فيه، ومنها علم النحو، فإنّه اشتغل به أيضا اشتغالا زائدا، وصار فيه فاضلا، وكذلك اللغة وغيرها، وكان قد أمر أن يجمع له كتاب في اللغة جامع كبير، فيه كتاب الصحاح للجوهريّ، ويضاف إليه ما فات الصحاح من التهذيب للأرمويّ والجمهرة لابن دريد وغيرهما، وكذلك أيضا أمر بأن يرتب مسند أحمد بن حنبل على الأبواب، ويردّ كلّ حديث إلى الباب الّذي يقتضيه معناه، مثاله: أن يجمع أحاديث الطهارة، وكذلك يفعل في الصلاة وغيرها من الرقائق، والتفسير، والغزوات، فيكون كتابا جامعا.
وكان قد سمع المسند من بعض أصحاب ابن الحصين، ونفق العلم في سوقه، وقصده العلماء من الآفاق، فأكرمهم، وأجرى عليهم الجرايات الوافرة، وقرّبهم، و [كان] يجالسهم، ويستفيد منهم، ويفيدهم، وكان يرجع إلى علم وصبر على سماع ما يكره، لم يسمع أحد ممّن يصحبه منه كلمة تسوؤه.
وكان حسن الاعتقاد يقول كثيرا: إنّ اعتقادي في الأصول ما سطّره أبو جعفر الطحاويّ، ووصّى عند موته بأن يكفن في البياض، ولا يجعل في أكفانه ثوب فيه ذهب، وأن يدفن في لحد، ولا يبنى عليه بناء بل يكون قبره في الصحراء تحت السماء، ويقول في مرضه: لي عند اللَّه تعالى في أمر دمياط ما أرجو أن يرحمني به.
ولمّا توفّي ولي بعده ابنه داود ويلقّب الملك الناصر، وكان عمره قد قارب عشرين سنة.
[1] وثلاثا.