أيّكم أحسن عملا، وقد عفونا لكم ما سلف من إخراب البلاد، وتشريد الرّعايا، وتقبيح السّمعة، وإظهار الباطل الجليّ في صورة الحقّ الخفيّ حيلة ومكيدة، وتسمية الاستئصال والاجتياح [1] استيفاء واستدراكا لأغراض انتهزتم فرصتها مختلسة من براثن ليث باسل، وأنياب أسد مهيب، تتّفقون بألفاظ مختلفة على معنى واحد وأنتم أمناؤه وثقاته، فتميلون رأيه إلى هواكم، وتمرجون باطلكم بحقّه، فيطيعكم وأنتم له عاصون، ويوافقكم وأنتم له مخالفون، والآن قد بدّل اللَّه سبحانه بخوفكم أمنا، وبفقركم غنى [2] ، وبباطلكم حقّا، ورزقكم سلطانا يقيل العثرة ويقبل المعذرة، ولا يؤاخذ إلّا من أصرّ، ولا ينتقم إلّا ممّن استمرّ، يأمركم بالعدل وهو يريده منكم، وينهاكم عن الجور وهو يكرهه لكم، يخاف اللَّه تعالى، فيخوّفكم مكره، ويرجو اللَّه تعالى، ويرغّبكم في طاعته، فإن سلكتم مسالك خلفاء اللَّه في أرضه وأمنائه على خلقه وإلّا هلكتم، والسلام.
ولمّا توفّي وجدوا في بيت، في داره، ألوف رقاع كلّها مختومة لم يفتحها، فقيل له ليفتحها، فقال: لا حاجة لنا فيها، كلّها سعايات.
ولم أزل، علم اللَّه سبحانه، مذ ولي الخلافة، أخاف عليه قصر المدّة لخبث الزمان وفساد أهله، وأقول لكثير من أصدقائنا: وما أخوفني أن تقصر مدّة خلافته، لأنّ زماننا وأهله لا يستحقّون خلافته، فكان كذلك.
[1] والاحتياج.
[2] غنا.