وما يحتاجون إليه، فوقع عليها شواني المسلمين، وقاتلوهم، فظفروا بالمرمّة وبما معها من الحرّاقات وأخذوها، فلمّا رأى الفرنج ذلك سقط في أيديهم، ورأوا أنّهم قد ضلّوا الصواب بمفارقة دمياط في أرض يجهلونها.
هذا وعساكر المسلمين محيطة بهم يرمونهم بالنشاب، ويحملون على أطرافهم، فلمّا اشتدّ الأمر على الفرنج أحرقوا خيامهم، ومجانيقهم، وأثقالهم، وأرادوا الزحف إلى المسلمين ومقاتلتهم، لعلّهم يقدرون على العود إلى دمياط، فرأوا ما أمّلوه بعيدا، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، لكثرة الوحل والمياه حولهم، والوجه الّذي يقدرون على سلوكه قد ملكه المسلمون.
فلمّا تيقّنوا أنّهم قد أحيط بهم من سائر جهاتهم، وأنّ ميرتهم قد تعذّر عليهم وصولها، وأنّ المنايا قد كثّرت لهم عن أنيابها، ذلّت نفوسهم، وتكسّرت صلبانهم، وضلّ عنهم شيطانهم، فراسلوا الملك الكامل والأشرف يطلبون الأمان ليسلّموا دمياط بغير عوض، فبينما المراسلات متردّدة إذ أقبل جمع كبير، لهم رهج شديد، وجبلة عظيمة، من جهة دمياط، فظنّه المسلمون نجدة أتت للفرنج، فاستشعروا، وإذا هو الملك المعظّم، صاحب دمشق، قد وصل إليهم، وكان قد جعل طريقه على دمياط، لما ذكرناه، فاشتدّت ظهور المسلمين، وازداد الفرنج خذلانا ووهنا، وتمّموا الصلح على تسليم دمياط، واستقرّت القاعدة والأيمان سابع رجب من سنة ثماني عشرة وستّمائة، وانتقل ملوك الفرنج، وكنودهم، وقمامصتهم إلى الملك الكامل والأشرف «1» رهائن على تسليم دمياط ملك عكّا، ونائب باب صاحب روميّة، وكندريش، وغيرهم، وعدّتهم عشرون ملكا، وراسلوا قسوسهم ورهبانهم إلى دمياط في التّسليم، فلم يمتنع من بها، وسلّموها إلى المسلمين تاسع رجب المذكور، وكان يوما مشهودا.
(1) . والأشرف. mo .A