أرادها، أو قصدت الرّقّة، فلا تمنع نفسها، وتأتي حرّان والرّها، فليس فيها من يحفظها لا صاحب ولا عسكر ولا ذخيرة، فإنّ العادل أخذهما من ابن تقيّ الدين، ولم يقم فيهما ليصلح حالهما، وكان القوم يتّكلون على قوّتهم، فلم يظنّوا هذا الحادث، فإذا فرغت من ذلك الطرف عدت إلى من امتنع من طاعتك فقاتلته. وليس وراءك ما تخاف عليه، فإنّ بلدك عظيم لا يبالي بكلّ من وراءك.
فقال مجاهد الدين: المصلحة أنّنا نكاتب أصحاب الأطراف، ونأخذ رأيهم في الحركة، ونستميلهم، فقال له أخي: إن أشاروا بترك الحركة تقبلون منهم؟
قال: لا! قال: إنّهم لا يشيرون إلّا بتركها، لأنّهم لا يريدون أن يقوى هذا السلطان خوفا منه، وكأنّي بهم يغالطونكم ما دامت «1» البلاد الجزريّة فارغة من صاحب وعسكر، فإذا جاء إليها من يحفظها جاهروكم بالعداوة.
ولم يمكنه أكثر من هذا القول خوفا من مجاهد الدين، حيث رأى ميله إلى ما تكلّم به، فانفصلوا على أن يكاتبوا أصحاب الأطراف، فكاتبوهم، فكلّ أشار بترك الحركة إلى أن ينظر ما يكون من أولاد صلاح الدين وعمّهم فتثبّطوا.
ثمّ إنّ مجاهد الدين كرّر المراسلات إلى عماد الدين، صاحب سنجار، يعده ويستميله، فبينما هم على ذلك إذ جاءهم كتاب الملك العادل من المناخ بالقرب من دمشق، وقد سار عن دمشق إلى بلاده، يذكر فيه موت أخيه، وأنّ البلاد قد استقرّت لولده الملك الأفضل، والناس متّفقون على طاعته، وأنّه هو المدبّر لدولة الأفضل، وقد سيّره في عسكر جمّ، كثير العدد، لقصد ماردين لمّا بلغه أنّ صاحبها تعرّض إلى بعض القرى التي له، وذكر من هذا النحو شيئا كثيرا، فظنّوه حقّا وأنّ قوله لا ريب فيه، ففتروا عن
(1) مهما.