ولمّا وصلوا ورأوا ما نالهم في طريقهم وما هم فيه من الاختلاف عادوا إلى بلادهم فغرقت بهم المراكب ولم ينج منهم أحد.
وكان الملك قلج أرسلان يكاتب صلاح الدين بأخبارهم، ويعده أنّه يمنعهم من العبور في بلاده، فلمّا عبروها وخلّفوها أرسل يعتذر بالعجز عنهم، لأنّ أولاده حكموا عليه، وحجروا عليه، وتفرّقوا عنه، وخرجوا عن طاعته.
وأمّا صلاح الدين عند وصول الخبر بعبور ملك الألمان، فإنّه استشار أصحابه، فأشار كثير منهم عليه بالمسير إلى طريقهم ومحاربتهم قبل أن يتّصلوا بمن على عكّا، فقال: بل نقيم إلى أن يقربوا منّا، وحينئذ نفعل ذلك لئلّا يستسلم من بعكّا من عساكرنا، لكنّه سيّر بعض من عنده من العساكر، منها عسكر حلب وجبلة ولاذقيّة وشيزر وغير ذلك، إلى أعمال حلب ليكونوا في أطراف البلاد يحفظونها من عاديتهم، وكان حال المسلمين كما قال اللَّه عزّ وجلّ: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا «1» فكفى اللَّه شرّهم وردّ كيدهم في نحرهم.
ومن شدّة خوفهم أنّ بعض أمراء صلاح الدين كان له ببلد الموصل قرية، وكان أخي، رحمه اللَّه، يتولّاها، فحصل دخلها من حنطة وشعير وتبن، فأرسل إليه في بيع الغلّة، فوصل كتابه يقول: تبع الحبّة الفرد، واستكثر لنا من التبن، ثمّ بعد ذلك وصل كتابه يقول: تبيع الطعام فما بنا حاجة إليه، ثمّ إنّ ذلك الأمير قدم الموصل، فسألناه عن المنع من بيع الغلّة، ثمّ الإذن فيها بعد مدّة يسيرة، فقال: لمّا وصلت الأخبار بوصول ملك الألمان أيقنّا أنّنا ليس لنا بالشام مقام، فكتبت بالمنع من بيع الغلّة لتكون ذخيرة لنا إذا جئنا إليكم، فلمّا أهلكهم اللَّه تعالى وأغنى عنها كتبت ببيعها والانتفاع بثمنها.
(1) . 11. 10 خ 33. roC