الصابرين في مواطن الحرب، ولم يبق بين أيديهم في القلب من يردّهم، فقصدوا التلّ الّذي عليه خيمة صلاح الدين، فقتلوا من مرّوا به، ونهبوا، وقتلوا عند خيمة صلاح الدين جماعة، منهم شيخنا جمال الدين أبو عليّ بن رواحة الحمويّ، وهو من أهل العلم، وله شعر حسن، وما ورث الشهادة من بعيد، فإنّ جدّه عبد اللَّه بن رواحة، صاحب رسول اللَّه، صلّى اللَّه عليه وسلّم، قتله الروم يوم مؤتة، وهذا قتله الفرنج يوم عكّا، وقتلوا غيره، وانحدروا إلى الجانب الآخر من التلّ، فوضعوا السيف فيمن لقوة، وكان من لطف اللَّه تعالى بالمسلمين أنّ الفرنج لم يلقوا خيمة صلاح الدين، ولو لقوها [1] لعلم الناس وصولهم إليها، وانهزام العساكر بين أيديهم، فكانوا انهزموا أجمعون [2] .
ثمّ إنّ الفرنج نظروا وراءهم، فرأوا أمدادهم قد انقطعت عنهم، فرجعوا خوفا أن ينقطعوا عن أصحابهم، وكان سبب انقطاعهم أنّ الميمنة وقفت مقابلتهم، فاحتاج بعضهم [أن] يقف مقابلها، وحملت ميسرة المسلمين على الفرنج، فاشتغل المدد بقتال من بها عن الاتّصال بأصحابهم، وعادوا إلى طرف خنادقهم، فحملت الميسرة على الفرنج الواصلين إلى خيمة صلاح الدين، فصادفوهم وهم راجعون، فقاتلوهم، وثار بهم غلمان العسكر.
وكان صلاح الدين لمّا انهزم القلب قد تبعهم يناديهم، ويأمرهم بالكرّة، ومعاودة القتال، فاجتمع معه منهم جماعة صالحة، فحمل بهم على الفرنج من وراء ظهورهم وهم مشغولون بقتال الميسرة، فأخذتهم سيوف اللَّه من كلّ جانب، فلم يفلت منهم أحد، بل قتل أكثرهم، وأخذ الباقون أسرى، وفي جملة من أسر مقدّم الداويّة الّذي كان قد أسره صلاح الدين وأطلقه، فلمّا
[1] ألقوها.
[2] أجمعين.