الحسان عدّة كثيرة، وهنّ مسفرات، وكانت هذه عادة الملثّمين يسفر نساؤهم [عن] وجوههنّ، ويتلثّم الرجال، فحين رأى النساء كذلك أنكر عليهنّ، وأمرهنّ بستر وجوههنّ وضرب هو وأصحابه دوابّهنّ، فسقطت أخت أمير المسلمين عن دابّتها، فرفع أمره إلى أمير المسلمين عليّ بن يوسف، فأحضره، وأحضر الفقهاء ليناظروه، فأخذ يعظه، ويخوّفه، فبكى أمير المسلمين، وأمر أن يناظره الفقهاء، فلم يكن فيهم من يقوم له لقوّة أدلّته في الّذي فعله.
وكان عند أمير المسلمين بعض وزرائه يقال له مالك بن وهيب، فقال:
يا أمير المسلمين، إنّ هذا واللَّه لا يريد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إنّما يريد إثارة فتنة، والغلبة على بعض النواحي، فأقتله وقلّدني دمه. فلم يفعل ذلك، فقال: إن [1] لم تقتله فاحبسه، وخلّده [في] السجن، وإلّا أثار شرّا لا يمكن تلافيه. فأراد حبسه، فمنعه رجل من أكابر الملثّمين يسمّى بيان بن عثمان، فأمر بإخراجه من مرّاكش، فسار إلى أغمات، ولحق بالجبل، فسار فيه، حتّى التحق بالسّوس الّذي فيه قبيلة هرغة وغيرهم من المصامدة سنة أربع عشرة [وخمسمائة] ، فأتوه، واجتمعوا حوله.
وتسامع به أهل تلك النواحي، فوفدوا عليه، وحضر أعيانهم بين يديه، وجعل يعظهم، ويذكّرهم بأيّام اللَّه، ويذكر لهم شرائع الإسلام، وما غير منها، وما حدث من الظلم والفساد، وأنّه لا يجب طاعة دولة من هذه الدول لاتباعهم الباطل، بل الواجب قتالهم، ومنعهم عمّا هم فيه، فأقام على ذلك نحو سنة، وتابعته هرغة قبيلته، وسمّى أتباعه الموحّدين، وأعلمهم أنّ النبيّ، صلّى اللَّه عليه وسلّم، بشّر بالمهديّ الّذي يملأ الأرض عدلا، وأنّ مكانه الّذي يخرج منه المغرب الأقصى، فقام إليه عشرة رجال، أحدهم عبد المؤمن، فقالوا:
لا يوجد هذا إلّا فيك فأنت المهدي، فبايعوه على ذلك.
[1] إذ.