فلمّا أيس من نفسه أمر بقبره، فحفر في موضع من الدار التي كان فيها، وأنزل إليه قوما، فقرءوا فيه القرآن حتى ختموا، وهو في محفّة على شفير القبر، يقول: ابن آدم تصير إلى هذا، وكان يقول في تلك الحال: وا سوأتاه من رسول اللَّه، صلّى اللَّه عليه وسلّم.
وقال الهيثم بن عديّ: لما حضرت الرشيد الوفاة غشي عليه، ففتح عينيه منها فرأى الفضل بن الربيع على رأسه، فقال: يا فضل:
أحين دنا ما كنت أرجو دنوّه ... رمتني عيون النّاس من كلّ جانب
فأصبحت مرحوما وكنت محسّدا ... فصبرا على مكروه تلك [1] العواقب.
سأبكي على الوصل الّذي كان بيننا ... وأندب أيّام السّرور الذّواهب
قال سهل بن صاعد: كنت عند الرشيد وهو يجود بنفسه، فدعا بملحفة غليظة، فأحتبى [2] بها، وجعل يقاسي ما يقاسي، فنهضت، فقال:
اقعد، فقعدت طويلا لا يكلّمني ولا أكلّمه، فنهضت، فقال: أين يا سهل؟ فقلت:* ما يسع قلبي [أن أرى] أمير المؤمنين، يعاني من المرض ما يعاني [3] ، فلو اضطجعت، يا أمير المؤمنين [كان أروح] . فضحك ضحك صحيح [4] ، ثمّ قال: يا سهل! اذكر في هذه الحال قول الشاعر:
وإنّي من قوم كرام يزيدهم ... شماسا وصبرا شدّة الحدثان
ثمّ مات، وصلّى عليه ابنه صالح، وحضر وفاته الفضل بن الربيع،
[1] من.
[2] فأجنّني.
[3] ما يتّسع قلبي يا أمير المؤمنين يعافي من المرض ما يعافي.
[4] ضحكا صحيحا