ومائة، فانقمع الشرّ، وضبط الأمر، وسيّر تمّاما، وكلّ من يتوثّب على الولاة، إلى الرشيد، فسكنت البلاد، وابتنى مدينة سمّاها العبّاسيّة بقرب القيروان، وانتقل إليها بأهله وعبيده.
وخرج عليه، سنة ستّ وثمانين ومائة، رجل من أبناء العرب بمدينة تونس، اسمه حمديس، فنزع السواد، وكثر جمعه، فبعث إليه ابن الأغلب عمران بن مخلد في عساكر كثيرة، وأمره أن لا يبقى على أحد منهم إن ظفر بهم. فسار عمران، والتقوا واقتتلوا، وصار أصحاب حمديس يقولون: بغداذ! بغداذ! وصبر الفريقان، فانهزم حمديس ومن معه، وأخذهم السيف، فقتل منهم عشرة آلاف رجل، ودخل عمران تونس.
ثمّ بلغ ابن الأغلب أنّ إدريس بن إدريس العلويّ قد كثر جمعه بأقاصي المغرب، فأراد قصده، فنهاه أصحابه وقالوا: اتركه ما ترك، فأعمل الحيلة، وكاتب القيّم بأمره من المغاربة، واسمه بهلول بن عبد الواحد، وأهدى إليه، ولم يزل به حتى فارق إدريس وأطاع إبراهيم، وتفرّق جمع إدريس، فكتب إلى إبراهيم يستعطفه، ويسأله الكفّ عن ناحيته، ويذكر له قرابته من رسول اللَّه، صلّى اللَّه عليه وسلّم، فكفّ عنه.
ثمّ إنّ عمران بن مخلد، المقدّم ذكره، وكان من بطانة إبراهيم بن الأغلب، وينزل معه في قصره، ركب يوما مع إبراهيم وجعل يحدّثه، فلم يفهم من حديثه شيئا لاشتغال قلبه بمهمّ كان له، فاستعاد الحديث من عمران فغضب وفارق إبراهيم، وجمع جمعا كثيرا، وثار عليه، فنزل بين القيروان والعبّاسيّة، وصارت القيروان وأكثر بلاد إفريقية معه.
فخندق إبراهيم على العبّاسيّة، وامتنع فيها، ودامت الحرب بينهما سنة كاملة، فسمع الرشيد الخبر، فأنفذ إلى إبراهيم خزانة مال، فلمّا صارت إليه الأموال أمر مناديا ينادي: من كان من جند أمير المؤمنين فليحضر لأخذ