فدعا ابن الجارود بدرع فلبسها مقلوبة فتطير. وحرض الحجّاج أصحابه وقال: لا يهولنّكم ما ترون من كثرتهم. وتزاحف القوم وعلى ميمنة ابن الجارود الهذيل بن عمران، وعلى ميسرته عبد اللَّه بن زياد بن ظبيان، وعلى ميمنة الحجّاج قتيبة بن مسلم، ويقال عبّاد بن الحصين، وعلى ميسرته سعيد بن أسلم، فحمل ابن الجارود في أصحابه حتى جاز أصحاب الحجّاج، فعطف الحجّاج عليه، ثمّ اقتتلوا ساعة وكاد ابن الجارود يظفر فأتاه سهم غرب فأصابه فوقع ميتا. ونادى منادي الحجّاج بأمان الناس إلّا الهذيل وعبد اللَّه بن حكيم، وأمر أن لا يتبع المنهزمون، وقال: الاتباع من سوء الغلبة. فانهزم عبيد اللَّه ابن زياد بن ظبيان، وأتى سعيد بن عياذ بن الجلندي الأزديّ بعمان، فقيل لسعيد: إنّه رجل فاتك فاحذره، فلمّا جاء البطيخ بعث إليه بنصف بطيخة مسمومة وقال: هذا أوّل شيء جاء من البطيخ وقد أكلت نصف بطيخة وبعثت بنصفها، فأكلها عبيد اللَّه فأحسّ بالشرّ فقال: أردت أن أقتله فقتلني.
وحمل رأس ابن الجارود وثمانية عشر رأسا من وجوه أصحابه إلى المهلّب فنصبت ليراها الخوارج وييأسوا من الاختلاف [1] .
وحبس الحجّاج عبيد بن كعب ومحمّد بن عمير حيث قالا [2] للحجّاج:
تأتينا لنمنعك. وحبس الغضبان بن القبعثرى وقال له: أنت القائل تعشّ بالجدي قبل أن يتغدّى بك؟ فقال: ما نفعت من قيلتي له ولا ضررت من قيلتي فيك. فكتب عبد الملك إلى الحجّاج بإطلاقه.
وقتل مع ابن الجارود عبد اللَّه بن أنس بن مالك الأنصاريّ، فقال الحجّاج:
ألا أرى أنسا يعين عليّ! فلمّا دخل البصرة أخذ ماله، فحين دخل عليه أنس
[1] ويتأسّوا لاختلاف.
[2] قالوا.