فلمّا عزم على المسير ودّع زوجته عاتكة بنت يزيد بن معاوية، فبكت وبكى جواريها لبكائها، فقال: قاتل اللَّه كثيّر عزّة! لكأنّه يشاهدنا حين يقول:
إذا ما أراد الغزو [1] لم يثن همّه ... حصان عليها عقد درّ يزينها
نهته فلمّا لم تر النّهي عاقه ... بكت وبكى ممّا عناها قطينها
وسار عبد الملك إلى العراق، فلمّا بلغ مصعبا مسيره وهو بالبصرة أرسل إلى المهلّب، وهو يقاتل الخوارج، يستشيره، وقيل: بل أحضره عنده، فقال لمصعب: اعلم أنّ أهل العراق قد كاتبوا عبد الملك وكاتبهم فلا تبعدني عنك. فقال له مصعب: إنّ أهل البصرة قد أبوا أن يسيروا حتى أجعلك على قتال الخوارج، وهم قد بلغوا سوق الأهواز، وأنا أكره «1» إذ سار عبد الملك إليّ أن لا أسير إليه، فاكفني هذا الثغر.
فعاد إليهم وسار مصعب إلى الكوفة ومعه الأحنف، فتوفّي بالكوفة، وأحضر مصعب إبراهيم بن الأشتر، وكان على الموصل والجزيرة، فلمّا حضر عنده جعله على مقدّمته وسار حتى نزل باجميرى [2] ، وهي قريب [من] أوانا، وهي من مسكن، فعسكر هناك.
وسار عبد الملك وعلى مقدّمته أخوه محمد بن مروان وخالد بن عبد اللَّه بن خالد بن أسيد فنزلوا بقرقيسياء وحصروا زفر بن الحارث الكلائيّ، ثمّ صالحهم، على ما نذكره إن شاء اللَّه تعالى.
وسيّر زفر ابنه الهذيل مع عبد الملك، وكان معه، ثمّ لحق بمصعب بن
[1] العزّ.
[2] باخمرى.