وللأرملة قيّما؟ إلهي أنا عبد ذليل إن أحسنت فالمنّ لك، وإن أسأت فبيدك عقوبتي! جعلتني للبلاء عرضا فقد وقع عليّ البلاء لو سلّطته على جبل لضعف عن حمله فكيف يحمله ضعفي! ذهب المال فصرت أسأل بكفّي فيطعمني من كنت أعوله اللّقمة الواحدة فيمنّها عليّ ويعيّرني! هلك أولادي، ولو بقي أحدهم أعانني. قد ملّني أهلي وعقّني أرحامي فتنكّرت معارفي، ورغب عني صديقي، وجحدت حقوقي، ونسيت صنائعي. أصرخ فلا يصرخونني، وأعتذر فلا يعذرونني. دعوت غلامي فلم يجبني، وتضرّعت إلى أمتي فلم ترحمني، وإنّ قضاءك هو الّذي آذاني وأقمأني «1» ، وإنّ سلطانك هو الّذي أسقمني.
فلو أنّ ربّي نزع الهيبة التي في صدري وأطلق لساني حتى أتكلّم مل ء فمي ثمّ كان ينبغي للعبد أن يحاجّ مولاه عن نفسه، لرجوت أن تعافيني عند ذلك، ولكنّه ألقاني وعلا عني فهو يراني ولا أراه، ويسمعني ولا أسمعه، لا نظر إليّ فرحمني، ولا دنا مني فأتكلّم ببراءتي وأخاصم عن نفسي.
فلمّا قال أيّوب ذلك أظلّتهم غمامة ونودي منها: يا أيّوب إنّ اللَّه يقول قد دنوت منك ولم أزل منك قريبا فقم فأدل بحجّتك وتكلّم ببراءتك وقم مقام جبّار فإنّه لا ينبغي أن يخاصمني إلّا جبّار. تجعل الزيار [1] في فم الأسد واللّجام في فم التنّين وتكيل مكيالا من النور وتزن مثقالا من الريح وتصرّ صرّة من الشمس وتردّ أمس. لقد منتك نفسك أمرا لا تبلغه بمثل قوّتك. أردت أن تكابرني «2» بضعفك أم تخاصمني بعيّك أم تحاجّني بخطلك! أين أنت مني يوم خلقت الأرض؟ هل علمت بأيّ مقدار قدرتها؟ أين كنت معي يوم
[1] الوبار. (الزيار: خشبتان يضغط بهما البيطار جحفلة الفرس أي شفته فيذل فيتمكن من بيطرته) .
(1) . وأنماني. B
(2) . تماكرني. b