ولا مانع عند فقهاء الحنفية [1] وبعض الحنابلة والشافعية من الأخذ بنظام قضاء الجماعة: وهو اشتراك أكثر من قاض في نظر الدعاوى؛ لأن القاضي نائب أو وكيل عن الإمام، وللموكل أن يوكل عنه شخصًا أو أكثر، وحينئذ فلا بد من اشتراكهم جميعًا عند النظر في الدعاوى وإصدار الحكم فيها، على أساس الشورى.
وأما غير الحنفية [2] الذين لم يجيزوا تعدد القضاة، فتعللوا بتعذر اتفاق القضاة في الرأي بالمجتهد فيه، مما يؤدي إلى تعذر الفصل في الخصومات. وهذا السبب يمكن التغلب عليه بالأخذ برأي الأكثرية، ولأن القضاة يستندون إلى الرأي الذي صوبه الإمام، كما قال بعض الشافعية.
الأصل في القضاء أن يكون على درجة واحدة حسمًا للنزاع في أسرع وقت، ولكن ضمانًا لسير العدالة وإحقاق الحق، وبسبب قلة الورع، ونقص العلم، جرى العمل حديثًا على تعدد المحاكم.
ولا مانع في الفقه الإسلامي من مبدأ التعدد، بدليل أن سيدنا عليًا قضى بين خصمين في اليمن، وأجاز لهما إذا لم يرضيا أن يأتيا رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فأتياه فأقر قضاء علي. وقال عمر لأبي موسى الأشعري في رسالته المشهورة: «ولا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس، ثم راجعت فيه نفسك، وهديت لرشدك أن ترجع إلى الحق؛ لأن الحق قديم، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل» .
(1) الفتاوى الهندية: 317/ 3، التبصرة لابن فرحون: 37/ 1.
(2) مغني المحتاج: 380/ 4، المغني: 105/ 9، حاشية الدسوقي: 134/ 4.