ثم إن دور التوبة مقصور ـ باتفاق الفقهاء كما سأبين ـ على الحالة التي لم تعرض فيها قضية الجريمة على محاكم القضاء، وفي حقوق المجتمع المحضة (أي حق الله بتعبير فقهائنا) فإن عرضت القضية على الحاكم لم يكن للتوبة تأثير في إسقاط العقوبة. وإن مست الجريمة حقًا شخصيًا للفرد لم يَقبَل الحد (أي العقوبة المقدرة شرعًا) الإسقاط أيضًا بالتوبة ولا بغيرها كالإبراء والعفو والتنازل والصلح والمعاوضة.
يتناول هذا الموضوع أمرين: تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر، وتقسيم الذنوب إلى ما يكون حقًا لله أو للآدميين.
كل معصية في الإسلام تصح التوبة عنها، سواء أكانت من الكبائر أم من الصغائر، ابتداء من جريمة الكفر أو الشرك بالله إلى أدنى المحظورات. والمراد من الصغائر: هي التي تحصل لظرف طارئ كثورة أو غضب، أو نزوة طائشة، ثم يعقبها تأنيب وندم يمحو صفة الإصرار [1] . كالنظر إلى ما لا يحل النظر إليه من المرأة الأجنبية (أي التي لا قرابة محرمية منها) ، وضرب الخادم بدون ذنب، وسماع الملاهي والأوتار، واللعب بالنرد، ومجالسة شاربي الخمر والفساق والخلوة بالمرأة الأجنبية.
واختلفت عبارات العلماء في تحديد الكبائر:
(1) عن ابن عباس أن رجلًا قال له: الكبائر سبع؟ فقال: هي إلى سبع مئة أقرب، لأنه لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار (تفسير الكشاف: 394/ 1، تفسير المنار: 50/ 5، الإحياء: 28/ 4 وما بعدها.