يبقى فيها مرارة أصلًا، فلو بقي فيها بعض المرارة، لا يحل شربها؛ لأن الخمر عنده لا تصير خلًا إلا بعد تكامل معنى الخلية فيه، كما لا يصير العصير عنده خمرًا إلا بعد تكامل معنى الخمرية، كما سأذكر في حد الشرب.
وقال الصاحبان: تصير الخمر خلًا بظهور قليل من الحموضة فيها، اكتفاء بظهور الخَلِّية فيها، كما أن العصير يصير خمرًا بظهور دليل الخمرية عندهما. ويظهر أن هذا هو رأي بقية الفقهاء.
وأما تخليل الخمر بعلاج بإلقاء جسم غريب عنها كالملح أو الخل أو السمك أوالخبز الحار، أو البصل، أو بإيقاد النار قربها، حتى صارت حامضًا، فيجوز، ويحل شربها عند الحنفية، لأنه إصلاح، والإصلاح مباح، قياسًا على دبغ الجلد، فإن الدباغ يطهره، كما ثبت في السنة النبوية: «أيما إهاب دبغ، فقد طهر» [1] . وقال صلّى الله عليه وسلم عن جلد الشاة الميتة: «إن دباغها يُحلِّه، كما يُحِلُّ خَلَّ الخمر» [2] فأجاز النبي التخليل، كما ثبت حل الخل شرعًا، بدليل قوله صلّى الله عليه وسلم: «خير خلكم خل خمركم» [3] . والحديث السابق: «نعم الأدمْ الخل» لم يفرق بين التخلل بنفسه، والتخليل، فالنص مطلق.
ولأن التخليل يزيل الوصف المفسد، ويجعل في الخمر صفة الصلاح، والإصلاح مباح، كما تقدم، لأنه يشبه إراقة الخمر.
(1) أخرجه النسائي والترمذي وابن ماجه وغيرهم عن ابن عباس. وأخرجه الدارقطني بإسناد حسن عن ابن عمر.
(2) أخرجه الدارقطني عن أم سلمة، وفي سنده ضعف (نصب الراية: 119/ 1، 113/ 4) .
(3) رواه البيهقي في المعرفة عن جابر، وقال: تفرد به المغيرة بن زياد، وليس بالقوي. ويلاحظ أن أهل الحجاز يسمون خل العنب خل الخمر (نصب الراية: 311/ 4) .